صبا.نت



* د. مروان إميل طوباسي .

لم يكن الكشف عن موافقة حكومة الأحتلال على تخصيص 1.3 مليار شيكل لتوسيع المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية ، ولا الأنباء حول استعداد المستوطنين لنصب بوابة حديدية بين حي الطيرة داخل مدينة رام اللّه وعين قينيا غربها ، مجرد حدثين منفصلين . فكلاهما يعكس انتقال المشروع الأستيطاني إلى مرحلة جديدة ، لا تقتصر على توسيع المستوطنات وزيادة البوابات ، وإنما تستهدف إعادة رسم الجغرافيا الفلسطينية وتحويلها تدريجياً إلى معازل منفصلة ، بما يسبق أي أستحقاق سياسي ، ويفرض على الفلسطينيين والمجتمع الدولي واقعاً جديداً تسعى إسرائيل إلى تكريسه باعتباره أمراً لا رجعة عنه .

ولذلك ، فإن قراءة هذه التطورات بمعزل عن التصريحات الأخيرة لوزير المالية الإسرائيلي سموتريتش ، الذي دعا صراحة إلى توسيع الحرب في الضفة الغربية ، وربطها بتوسيع الاستيطان ، واعتبر فيها الفلسطينيين داخل إسرائيل تهديداً استراتيجياً ، ستكون قراءة ناقصة . فالمسألة لم تعد تتعلق بإجراءات "أمنية" متفرقة ، بل بمشروع سياسي متكامل تستخدم فيه الحرب الواسعة ، والاستيطان ، والضم الزاحف ، والبوابات الحديدية ، والطرق الالتفافية ، أدوات مختلفة لتحقيق هدف واحد ، هو تفكيك التواصل الجغرافي الفلسطيني وتحويل الضفة الغربية إلى معازل يسهل التحكم بها وفرض السيادة الإسرائيلية عليها بصورة تدريجية متسارعة .

ويتسارع هذا المشروع في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بترتيبات "اليوم التالي" في قطاع غزة ، وبالمبادرات الهادفة إلى إنشاء هياكل أو لجان انتقالية لإدارة القطاع خارج إطار الحل السياسي الشامل . ففي الوقت الذي يُطرح فيه مستقبل غزة باعتباره قضية إدارية أو إنسانية ، تتواصل على الأرض محاولات إعادة تشكيل القطاع عبر الخطوط الملونة وترتيبات ما يسمى "الخطة (ب)" ، بالتوازي مع إعادة تشكيل الضفة الغربية ، بحيث تصبح الوقائع التي يفرضها الأحتلال هي المرجعية الفعلية لأي مسار سياسي لاحق ، بدلاً من أن يكون إنهاء الأحتلال هو نقطة الانطلاق .

ومن هنا ، لم يكن اعتراضنا في مقالات سابقة على مشاريع "اليوم التالي"، أو على اللجان والهيئات التي يُراد فرضها لإدارة قطاع غزة خارج الإرادة الوطنية الفلسطينية ، نابعاً من خلاف حول آليات الإدارة بحد ذاتها ، بل من إدراك أن ما يُخطط له لن يقف عند حدود غزة . فحين تُستكمل عملية عزل القدس وتهويدها وتُفصل غزة سياسياً وإدارياً وتُجزأ الضفة الغربية بالحواجز والبوابات والمستوطنات والطرق الالتفافية ، ورفع الأعلام الإسرائيلية والوجود الدائم الحواجز و لقوات الأحتلال وشرطتها على الشوارع بين مُدننا ، يصبح الحديث عن دولة فلسطينية متواصلة الأطراف مجرد عنوان سياسي ، بينما يجري على الأرض تكريس واقع مختلف تماماً .

والأخطر أن إسرائيل لا تكتفي بفرض هذه الوقائع ، بل تعمل على تحويلها إلى أمر اعتيادي ودائم . فكما انتقل النقاش الدولي تدريجياً من إزالة المستوطنات إلى التعايش مع وجودها ، يراد اليوم أن ينتقل من إنهاء الأحتلال إلى إدارة المعازل وتحسين ظروف الحياة داخلها . وهكذا يجري تحويل القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية إدارة تجمعات سكانية معزولة ، بينما يستمر المشروع الأستيطاني في التوسع والتغلغل ، بما يفرض تحويل أتفاق الحكم الذاتي المؤقت وفق أتفاق أوسلو الى شكل دائم .

وفي ظل هذا الواقع ، يفرض سؤال وطني بالغ الأهمية نفسه ، وهو كيف يمكن الحديث عن استحقاقات سياسية فلسطينية ، وعن تجديد الشرعيات الوطنية ، بينما يعمل الأحتلال بصورة متسارعة على تفكيك الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية ؟ 
فالقضية لم تعد تتعلق بإجراءات سياسية أو انتخابية فحسب على اهمية أستحقاقها ، بل بحماية وحدة الجغرافيا والديمغرافيا الفلسطينية ، لأن أي عملية سياسية ، وأي شرعية وطنية ، تفقد مضمونها إذا كانت تقوم فوق أرض يعاد تقسيمها ورسم حدودها يوماً بعد آخر .

إن مواجهة هذا المشروع لا تكون بالاكتفاء برفض كل خطوة على حدة أو بمجرد إدانتها ، وإنما بإدراك طبيعة الصورة الكاملة . فالمطلوب فلسطينياً هو حماية وحدة الأرض والشعب والتمثيل الوطني في اطار منظمة التحرير فاعلة واسعة كجبهة وطنية عريضة ، ورفض كل المشاريع التي تستبدل إنهاء الأحتلال بإدارة نتائجه ، أو تستبدل الدولة الفلسطينية بمجموعة من الإدارات المحلية والمعازل المنفصلة .

وتتطلب هذه المواجهة مواصلة تدويل القضية ، وتعزيز المساءلة القانونية أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية دون الرضوخ للضغوط الرامية إلى تعطيل مسارهما ، والاستفادة من التحولات المتزايدة في الرأي العام العالمي ، وخاصة في الولايات المتحدة وبما يجري فيها من تحولات على مستوى القاعدة الحزبية ، لتعميق العزلة السياسية والأخلاقية لإسرائيل ، إلى جانب الارتقاء بأشكال المقاومة السياسية الواضحة والشعبية المنظمة باعتبارها جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة ترفع كلفة الأحتلال والأستيطان .

إن أخطر ما يواجهنا نحن الفلسطينيين اليوم ليس فقط استمرار الأحتلال ، بل تحوله إلى مشروع يعيد رسم الجغرافيا والسياسة معاً . ولذلك ، فإن معركتنا الوطنية لم تعد تقتصر على مواجهة مستوطنة جديدة أو بوابة حديدية هنا أو هناك ، بل أصبحت معركة للدفاع عن وحدة الأرض الفلسطينية ، لأن أي مشروع سياسي وأي شرعية وطنية تنتجها الانتخابات الحُرة ، وأي أفق لإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة والديمقراطية ، لن يكون قابلاً للحياة إذا نجح الأحتلال في تحويل فلسطين إلى مجموعة من المعازل المنفصلة .

فحماية وحدة الجغرافيا الفلسطينية أصبحت اليوم جوهر المشروع الوطني التحرري والذي يحتاج الى اعادة صياغة امام هذا الواقع ، وهي الخط الفاصل بين مشروع الدولة الفلسطينية ومشروع الكانتونات والمعازل الذي تسعى حكومة الأحتلال إلى فرضه كأمر واقع ، في ظل غياب إرادة دولية جادة تُقرن الحديث عن مبدأ حل الدولتين بإجراءات ملزمة وعقابية تفرض إنهاء الأحتلال أولاً وكاملاً ، باعتباره الشرط الذي لا يمكن القفز فوقه إذا أُريد لهذا الحل أن يكون قابلاً للحياة .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة فتح.
calendar_month14/07/2026 18:20   visibility 53