
صبا.نت
* د. مروان إميل طوباسي .
لا تُقاس أهمية المرسوم الرئاسي الصادر أمس والقاضي بتخصيص ما لا يقل عن عشرين مقعداً للمسيحيين بحد أدنى في المجلس التشريعي الفلسطيني القادم بعدد المقاعد التي نص عليها ، بقدر ما تُقاس بما يحمله من رسالة سياسية ووطنية تؤكد أن فلسطين التي نناضل من أجلها هي دولة المواطنة والشراكة والتعددية ، لا دولة الغلبة العددية أو الإقصاء بأي شكل من أشكاله .
ولذلك ، فإن الترحيب بهذه الخطوة لا ينطلق من اعتبارات فئوية أو طائفية ، بل من كونها استجابة لمطلب وطني طالبت به شخصيات ومؤسسات وطنية عديدة كما واللجنة الرئاسبة لشوون الكنائس خلال السنوات الماضية بعد ان كان النظام الانتخابي قد خصص مقاعد محدودة في بعض المناطق الانتخابية لعضوية المجالس التشريعية السابقة . واليوم فان هذا المرسوم وبهذه الصيغة المتقدمة من التمثيل في نظام انتخابي يعتبر الوطن وحدة انتخابية واحدة على اساس القوائم ، يكرس الحرص على صون أحد أهم عناصر قوة المجتمع الفلسطيني ، وهو تعدديته التاريخية التي شكلت على الدوام ركيزة من ركائز مشروعه الوطني التحرري ، دون ان يعكس ذلك هوية الإنتماء الوطن من خلال العقيدة الدينية ، وبما يحافظ على الدين لله والوطن للجميع ، وان يبقى المعيار خدمة المشروع التحرري والانتماء له للوصول الى أهدافه فيزلة مدنية ديمقراطية يسود بها الوعي المجتمعي .
فالمسيحيون الفلسطينيون ليسوا بطائفة ، او أقلية تبحث عن ضمانات خاصة ، بل هم جزء أصيل من الشعب الفلسطيني لهم وعليهم ما لغيرهم من ابناء الوطن ، وجذورهم في هذه الأرض تمتد إلى عمق التاريخ . وقد كانوا ، إلى جانب إخوتهم المسلمين ، شركاء في النضال الوطني ، وفي بناء فصائل الثورة ومؤسسات منظمة التحرير ، وفي الحياة السياسية والفكرية والثقافية والأجتماعية والنقابية والطلابية والإقتصادية ، وقدموا شهداء وأسرى ومناضلين في سبيل الحرية والأستقلال الوطني .
وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل ما تعرض له المجتمع الفلسطيني من تهجير وتراجع ديمغرافي ، خاصة في أوساط المسيحيين منذ ان كان تعداد الفلسطينين المسيحين يشكل ربع التعداد السكاني ٢٥٪ زمن الانتداب البريطاني . هذا التراجع الذي جاء متصاعدا نتيجة الأحتلال وسياساته وجرائمه ، وما رافقه من ظروف اقتصادية واجتماعية دفعت كثيرين إلى الهجرة . ومن هنا ، فإن ضمان استمرار حضورهم في المؤسسات الوطنية المنتخبة لا يمثل خروجاً على مبدأ المواطنة ، بل هو حماية للتعددية التي تميز بها المجتمع الفلسطيني ، وتجسيد لفكرة الشراكة المتنوعة التي قامت عليها الحركة الوطنية الفلسطينية منذ انطلاقتها ببدايات القرن الماضي .

كما ينسجم هذا المرسوم مع المبادئ التي أكدها إعلان الإستقلال الفلسطيني عام ١٩٨٨ ، والذي رسخ مفهوم الدولة الديمقراطية القائمة على المساواة بين جميع المواطنين دون تمييز ، وأكد على حرية الرأي والتعبير ، وجعل من التعددية واحترام التنوع جزءاً من هوية الدولة الفلسطينية المنشودة .
غير أن الحفاظ على هذا الحضور لا يتحقق بالتشريعات وحدها ، بل يتطلب سياسات وطنية تعزز صمود أبناء شعبنا في أرضهم ، وتحمي الوجود الفلسطيني ومقدراته في القدس وكل الوطن ، وتوفر مقومات الحياة الكريمة ، بما يحد من الهجرة ويحافظ على النسيج الوطني الذي سعى وما زال يسعى له الأحتلال إلى إضعافه .
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية التي تم الاعلان عنها ، يحمل هذا المرسوم رسالة تتجاوز قضية التمثيل المسيحي ، لتؤكد أن الانتخابات ليست مجرد منافسة على السلطة ، بل فرصة لتجديد الشرعية الوطنية حفاظا على المشروع التحرري على قاعدة المشاركة الواسعة ، وترسيخ عقد وطني يقوم على المساواة والشراكة والتعددية ، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسساتهم .
ويبقى الأمل أن تشكل هذه الخطوة مدخلاً لاستكمال الإصلاحات السياسية والانتخابية المطلوبة ، بما يضمن تمثيلاً عادلاً لمختلف مكونات المجتمع ، ويعزز مشاركة المرأة وقطاع الشباب ، ويكرس الديمقراطية وسيادة القانون ، وصولاً إلى نظام سياسي أكثر قدرة على مواجهة تحديات المرحلة .
لقد كانت فلسطين ، عبر تاريخها ، نموذجاً لوحدة المسلمين والمسيحيين في معركة الحرية ضد تعدد اشكال الإستعمار ، ولم يكن الانتماء الديني يوماً معياراً للحقوق أو للواجبات او حتى للهوية ، بل كان الانتماء للوطن هو الجامع الذي صاغ الهوية الوطنية الفلسطينية المعاصرة . ومن هنا ، فإن هذا المرسوم يمثل أكثر من تعديل على النظام الانتخابي ، إنه تأكيد على أن فلسطين المستقبل ستظل فلسطين الجامعة لكل أبنائها ، وأن وحدتنا الوطنية السياسية ، رغم جوانب الاختلاف ، لكافة فئات مجتمعنا ، بتنوعها وغناها ، ستبقى أحد أهم أسلحتنا في مواجهة الأحتلال وعلى طريق الحرية والأستقلال الوطني .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".

13/07/2026 18:03 117

.jpg)







