
صبا.نت
تصريح صحفي صادر عن :
مروان طوباسي ، عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح" ،
والرئيس السابق للجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الأرثوذكسي ، ومجلس المؤسسات العربية الأرثوذكسية في فلسطين .
أتابع باهتمام وقلق ما يجري في "دير حجلة" بمحافظة أريحا من الوطن كما يتابع غيري ، وما صدر بشأن الإجراءات الأخيرة فيه وأعمال الإصلاح والترميم والتغييرات المتعلقة بإدارة الدير والرهبان . وأعتقد أن القضية ينبغي ألا تُختزل في اعتبارها شأناً إدارياً داخلياً للبطريركية ، كما لا ينبغي في المقابل أن تكون مجالاً لأصدار بيانات لا تتسم بالوضوح الكامل أو لإطلاق أحكام لا تستند إلى وثائق وحقائق .
فالقضية في جوهرها تتصل بالأوقاف والممتلكات الأرثوذكسية وبحماية الأرض والوجود العربي الفلسطيني عليها ، في مرحلة تتسارع فيها سياسات الأحتلال والإستيطان الرامية إلى السيطرة على الأرض وإعادة تشكيل جغرافيتها وديموغرافيتها ، خاصة في القُدس والأغوار ، كما في كل الوطن .
أقول ذلك من واقع تجربة أمتدت لنحو عشرين عاماً مع زملاء لي في قيادة المؤسسات العربية الأرثوذكسية في فلسطين ، أتسمت في صراع طويل دفاعاً عن حقوق أبناء الكنيسة وعن أوقافها وممتلكاتها وهويتها العربية الفلسطينية ، وفي مواجهة نهج تاريخي في إدارة هذه الممتلكات والتصرف ببعضها دون وجه حق ودون شفافية ، أدى في حالات معروفة وموثقة إلى انتقال حقوق في عقارات وأوقاف بالغة الأهمية من بطريركية الروم الارثوذكس الى جهات إستيطانية أو شركات إستثمارية إسرائيلية وغيرها من الشركات الوهمية ، وإلى نزاعات قضائية ووطنية امتدت سنوات طويلة وما زالت آثار بعضها قائمة حتى اليوم , وفي حالات اخرى الي سيطرة دولة الأحتلال عليها نتيجة عدم جدية المتابعة والملاحقة وغياب الأداء الإداري السليم في البطريركية الأرثوذكسية ، أضافة الى تغييب مشاركة أبناء الكنيسة في أدارة هذا الشأن الى جانب الرهبان وفق ما نص عليه القانون الذي لا تلتزم به هذه الرئاسة الرهبانية .
ومن هنا ، فإن القلق مما يجري في "دير حجلة" لا يمكن فصله عن هذا التاريخ ، ولا عن موقع الدير وأراضيه في واحدة من أكثر مناطق فلسطين تعرضاً اليوم لمخاطر الأستيطان والضم الإستعماري والسيطرة على الأرض .
"فدير حجلة" المقام منذ القرن الرابع الميلادي الذي عُرف في الكتاب المقدس بقرية (بيت حجلة) الكنعانية ، يقع في الأغوار شرقي مدينة أريحا على بعد قليل من مكان مغطس السيد المسيح على نهر الأردن ، وترتبط به مساحات واسعة من الأراضي والأوقاف المحيطة والمجاورة له التابعة لبطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية ، وفي منطقة يسعى الأحتلال جاهداً إلى تكريس سيطرته عليها ، وتتعرض أراضيها لضغوط متواصلة من الأحتلال الإستيطاني ودولته وجمعياته ، حيث تصبح حماية كل دونم من هذه الأوقاف قضية وطنية ، وليست مجرد مسألة عقارية أو إدارية أو شأنا كنسياً فقط ، فهذه المنطقة والمعروفة تاريخيا "بمنطقة البرية" مسجلة على اللائحة التمهيدية الفلسطينية للتراث العالمي .
واللافت أن البطريركية نفسها أكدت في بيان صادر عنها قبل أيام أن عقاراتها وأوقافها ، ومنها "دير حجلة" وما حوله من اراضي ، تواجه محاولات استهداف متواصلة ، كما تحدثت لاحقاً عن الجهود المبذولة لحماية عقارات الدير وصونها من الإستهداف الإستيطاني .
وهذا التأكيد ، الذي نرحب به من حيث المبدأ ، يجعل الحاجة إلى الشفافية أكبر ، ويطرح أسئلة مشروعة ينبغي الإجابة عنها بوضوح :
- ما هي المساحة الفعلية لأراضي وأوقاف دير حجلة؟
- وما حدودها ووضعها القانوني الراهن ، وكيف تتم إدارتها وحمايتها ؟ - وهل جميعها مسجلة ومُثبتة بما يحول دون المساس بها أو انتقال أية حقوق فيها بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى جهات استيطانية كما حدث مع غيرها من الممتلكات ؟
أن إعلان البطريركية عن أعمال إصلاح وترميم جارية في الدير كما جاء بالبيان يستدعي ، في تقديري ، مزيداً من التوضيح للرأي العام حول طبيعة هذه الأعمال ونطاقها وأسباب مغادرة الرهبان ، ومصادر تمويلها ، والجهات التي تقوم بتنفيذها ، وعلاقتها بالإجراءات الإدارية الأخيرة التي أعقبت وفاة رئيس الدير الأرشمندريت خريستوموس بعد عقود طويلة قضاها في خدمة الدير وأبناء شعبنا بالمحافظة .
إن طرح هذه الأسئلة لا يعني التدخل في صلاحيات البطريركية المتعلقة بالشؤون الدينية والرهبانية . فهناك فرق واضح بين إحترام هذه الصلاحيات وبين حق أبناء الكنيسة وشعبنا في معرفة مصير الأوقاف والممتلكات التاريخية التي تُمثل جزءاً من الأرض والإرث والوجود الفلسطيني التاريخي .
إن تجارب الماضي تجعل هذا الحرص واجباً ومسوؤلية ، فقضايا عقارات البطريركية في البلدة القديمة من القُدس ، وفي مقدمتها عقارات باب الخليل وميدان عمر ودير مار يوحنا وغيرها الكثير في مناطق اخرى من القُدس وفلسطين ، وما رافقها من صفقات ونزاعات قضائية وسياسية ، تركت جرحاً عميقاً وأسئلة لم تُغلق كلها حتى اليوم حول كيفية إدارة هذه الممتلكات وحمايتها ومستقبلها أو قضايا المحاكم ، وما آلت اليه أوضاعها .
ومن هنا فإن المطلوب ليس إعادة إنتاج صراع قديم ، وإنما الإستفادة من دروسه . حيث أحترامنا للمكانة الروحية والتاريخية للبطريركية لا يتعارض مع مطالبتنا بالشفافية والمساءلة في إدارة الأوقاف ، كما حول الشأن الإداري والحقوق التاريخية لأبناء الكنيسة وفق القانون ٢٧ لسنة ١٩٥٨ الذي يفترض سريانه وتنفيذه أسوة بغيره من القوانين السارية في فلسطين . فالأوقاف الأرثوذكسية ليست ملكاً شخصياً لأحد ، بل ولم يأتي بها أحد من الخارج الى فلسطين ، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها مجرد أصول عقارية قابلة للتصرف بعيداً عن أصحاب الحق والمصلحة التاريخية فيها . انها أمانة دينية وتاريخية ووطنية أوقفها الأجداد والآباء لصالح الكنيسة لتكون هي المؤتمن عليها في ظروف سياسية تاريخية خوفا عليها من المصادرة أو الضياع زمن الحكم العثماني في فلسطين ، يتوجب الحفاظ عليها للأجيال القادمة ولمصلحة أبناء شعبنا ووجوده .
وفي هذه المرحلة بالذات ، حيث تتعرض القُدس والأغوار والخليل وسائر أرضنا لمحاولات متسارعة لفرض وقائع أستعمارية جديدة ، فإن حماية الأوقاف المسيحية والإسلامية وكل الممتلكات الوطنية تصبح جزءاً لا يتجزأ من معركة حماية الأرض والهوية والوجود الفلسطيني .
لذلك فإن ما نطالب به اليوم بسيط وواضح ، الحقائق والوثائق والشفافية الكاملة حول "دير حجلة" وأراضيه وأوقافه ، كما كل ما تبقى من الممتلكات في فلسطين التاريخية ، بما يطمئن أبناء الكنيسة وشعبنا إلى واقعها وأنها بالفعل محمية ومصانة كما تدعي بيانات البطريركية المعتادة والتي ثبت عكس ذلك في مرات عديدة ، وأنه لن يترتب على أية إجراءات حالية أو مستقبلية ما يمس ملكيتها أو وظيفتها أو هويتها ، كما مسَ غيرها .
فالأرض التي تضيع يصعب إستعادتها خاصة وان أصبحت جزء من مشاريع الأستيطان أو موضوع تنازع أمام نظام قضائي في إسرائيل لا يتسم بالعدالة ، بل ويعمل لصالح مشروعهم نفسه . وتجاربنا السابقة تُوجب علينا اليقظة قبل وقوع الضرر ، لا البحث عن الحقيقة بعد وقوعه ومن ثم الضياع بين ثنايا وثائق من فساد التسريب والتزوير .
إن أوقاف وعقارات الكنيسة أمانة وفق العقيدة الوطنية والكنسية والقانون وليست ملكاً شخصياً لأحد ، والأرض اليوم ليست مجرد عقار ، بل عنوان للهوية والوجود والسيادة الوطنية الفلسطينية .
03/10/2026 07:23 61

.jpg)



