
صبا.نت
* د. مروان إميل طوباسي
إن جريمة إطلاق النار التي استهدفت كنيسة القديس جيورجيوس للروم الأرثوذكس في بلدة حمود بمحافظة الكرك الأردنية ، خلال مراسم جنازة ، تستدعي الإدانة وكشف ملابساتها ومحاسبة مرتكبيها ، وتعيد إلى الواجهة المخاوف على مستقبل الوجود العربي المسيحي في المشرق ، في ظل تصاعد الاعتداءات والتطرف والتهجير ، وإن اختلفت دوافعها وسياقاتها .
ولبلدة حمود بالكرك تاريخ وطني ونضالي عريق ، فقد أنجبت شخصيات بارزة ، من المناضلة تيريز هلسا إلى المفكر والروائي غالب هلسا والعلامة العروبي يعقوب العودات ، وأسهم أبناؤها في النضال الوطني الأردني والمقاومة الفلسطينية والحركات القومية والديمقراطية . وهو تاريخ يؤكد أن المسيحيين العرب لم يكونوا يوماً على هامش قضايا أوطانهم ، بل شركاء أصيلين في الدفاع عنها وصياغة هويتها الوطنية .
إن الوجود العربي المسيحي في المشرق ليس طارئاً على تاريخه ، بل أحد جذوره الحضارية العميقة . فمن كنيسة القدس الأولى إلى كنائس بلاد الشام والعراق ومصر ، أسهم المسيحيون في النهضة العربية وحركات التحرر الوطني ، وواجهوا عبر القرون تداعيات الحروب والصراعات الدينية والسياسية ، منذ الحملات الصليبية وما رافقها من مشاريع للسيطرة على الأرض والمقدسات ، وصولاً إلى التدخلات الإستعمارية الحديثة والمشروع الإستيطاني وموجات التطرف والتكفير والتهجير .
واليوم ، تتعاظم مخاطر إضعاف هذا الحضور التاريخي ، خصوصاً في فلسطين ، حيث يوظف المشروع الاستعماري الإستيطاني الإسرائيلي الأساطير التوراتية لتبرير السيطرة على الأرض وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية ، بما يهدد الوجود الفلسطيني بمكوناته كافة . إن تفريغ المشرق من مسيحييه ، أياً كانت القوى والظروف التي تدفع إليه ، لا يعني خسارة مكون ديني فحسب ، بل ضرب هويته العربية التعددية وإضعاف نسيجه الوطني .
وما تتعرض له بلدة الطيبة المسيحية في فلسطين ودير حجلة من اعتداءات المستوطنين ، وما شهدته كنيسة مار إلياس في دمشق من هجوم دموي ، وما جرى في الكرك اليوم ، رغم اختلاف الظروف والمسؤوليات ، يؤكد ضرورة مواجهة الاعتداءات على الإنسان ودور العبادة ، وعدم الاكتفاء ببيانات الإدانة والتعزية.
إن الدفاع عن الوجود العربي المسيحي لا يكون بالانغلاق الطائفي أو استدعاء الحماية الخارجية ، بل بترسيخ دولة المواطنة والمساواة وسيادة القانون ، وبوحدة المسلمين والمسيحيين في مواجهة التطرف والتكفير ومشاريع التفتيت . فالمسيحيون العرب ليسوا امتداداً للحملات الصليبية ولا غرباء عن أوطانهم ، بل أبناء هذه الأرض وشركاء في تاريخها ومصيرها .
ومن هنا ، تقع المسؤولية على الدول والكنائس والمؤسسات الوطنية والقوى الديمقراطية والمجتمع المدني ، للانتقال من التضامن اللفظي إلى العمل الحقوقي والمؤسسي ، وحماية حرية العبادة وملاحقة المعتدين وتعزيز ثقافة المواطنة والمساواة والعدالة والعيش المشترك .
إن جريمة كنيسة الكرك ليست شأناً مسيحياً منفصلاً عن محيطه الوطني ، بل قضية إنسانية ووطنية تستدعي موقفاً جامعاً . فالمسيحية العربية ليست أثراً تاريخياً ننتظر زواله ، بل حضور حضاري ووطني حيّ ، ومكون هام من الحضارة العربية التي نعيش في كنفها اليوم ، والدفاع عن بقائها هو دفاع عن هوية المشرق وتعدديته ومستقبله ، وعن حق شعوبه في الحرية والكرامة والعيش بحرية وأمن وآمان .
23/10/2026 19:22 107

.jpg)




