
صبا.نت
مروان إميل طوباسي .
ملخص المقال :
بعد ٣٣ عاماً على أوسلو ، تحولت المرحلة الانتقالية إلى واقع دائم ، سلطة محدودة، واستيطان وضم متصاعدان، وسيادة فلسطينية مؤجلة ، دون نقد ومراجعة وتقييم للتجربة .
الخطر اليوم ليس استمرار هذا الواقع فقط ، بل الانتقال من إدارة الأرض المحتلة إلى إعادة هندسة النظام الفلسطيني نفسه بما يتلاءم مع استمرار البنية الاستعمارية.
في غزة ، تفتح ترتيبات «اليوم التالي» و«مجلس السلام» الباب أمام الفصل الجغرافي وإدارة مشروطة ورقابة خارجية وربط الإعمار والسياسة والأمن باشتراطات دولية وإسرائيلية .
في الضفة ، تتقدم عملية موازية لإعادة هندسة الجغرافيا عبر الاستيطان والضم والعمليات العسكرية ومشروع E1 وتقليص الولاية الفلسطينية .
النتيجة المحتملة هي تحويل القضية من قضية شعب وحق في التحرر وتقرير المصير ، إلى قضية تجمعات سكانية منفصلة يجري البحث عن كيفية إدارتها .
الإصلاح الفلسطيني ضرورة ، ولكن بإرادة وطنية مستقلة ، عبر الانتخابات وتجديد الشرعيات وإعادة بناء منظمة التحرير والنظام السياسي ، لا بإصلاح مفروض لجعل الفلسطيني أكثر قابلية للإدارة تحت الأحتلال .
الدرس الأهم من أوسلو يتمثل في ، ألا ندخل مرحلة انتقالية جديدة بلا نهاية ، وألا تصبح إعادة الإعمار بديلاً عن التحرر ، أو إدارة السكان بديلاً عن إنهاء الأحتلال .
ما نحتاجه ليس صيغة أفضل لإدارة الأحتلال ، بل مشروعاً وطنياً تحررياً لإنهائه وتجسيد حقوق شعبنا الغير قابلة للتصرف .
المقال كاملا :
في الذكرى الثالثة والثلاثين لاتفاق أوسلو ، بما له وما عليه ، وبما أثاره ولا يزال من جدل فلسطيني واسع ، لا تبدو الأولوية اليوم في إعادة محاكمة الإتفاق رغم اهمية ذلك من باب ضرورات النقد والمراجعة السياسية ، بقدر ما هي في قراءة ما آلت إليه مساراته ، وما نشأ بعده ، وما يجري بناؤه اليوم فوق أنقاضه .
فأوسلو ، الذي قُدّم باعتباره مرحلة انتقالية لخمس سنوات تقود إلى مفاوضات الوضع النهائي ، إنتهى عملياً إلى واقع مختلف يتمثل في سلطة محدودة الصلاحيات ومحاصرة ، واستيطان تمدد ، وقدس جرى عزلها ، وضفة تتفتت جغرافياً بالمعازل ، وسيادة فلسطينية بقيت مؤجلة ، فيما بقي الأحتلال صاحب السيطرة الفعلية على الأرض والحدود والموارد وحتى "السكان" .
وبعد ثلاثة وثلاثين عاماً ، تبدو أمامنا محاولة للانتقال إلى مرحلة أخرى ، لا تعالج ما كان يفترض ان ينهي الأحتلال ، وإنما تعيد تنظيم العلاقة والبنية الإستعمارية نفسها بأدوات وصيغ جديدة .
قبل نحو عام ، كَتبتُ عن ورقة لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي نُشرت في حينه ، تناولت «إعادة بناء النظام الفلسطيني» ، ورأيت فيها محاولة للانتقال من إدارة الأرض المحتلة إلى إعادة هندسة النظام السياسي والمجتمع الفلسطيني وفق متطلبات الأمن الإسرائيلي وبنية نظامه الإستعمارية . وما كان يُقرأ يومها بوصفه تصوراً إسرائيلياً أصبح اليوم أكثر اتصالاً بوقائع سياسية قائمة .
فقرار مجلس الأمن ٢٨٠٣ ، وخطة ترامب ، و«مجلس السلام» وهيئاته ، وما يرتبط بذلك من ترتيبات ما سمي «اليوم التالي» في غزة ، تؤسس لإطار يصبح فيه مستقبل القطاع وإدارته وإعادة إعماره وأمنه جزءاً من منظومة تقودها الولايات المتحدة في وقت تستمر به جرائم الأحتلال من القصف والقتل اليومي ، فيما يجري ربط الانتقال نحو تقرير المصير والدولة تحت ذريعة شروط أمنية وسياسية وإدارية .
وهنا تظهر مفارقة تاريخية ، ففي أوسلو كانت هناك مرحلة انتقالية يفترض أن تنتهي بتسوية لقضايا الوضع النهائي . أما النموذج الجاري تشكيله اليوم ، فيطرح مرحلة مشروطة لا يُعرف سقفها الزمني ، فيما يصبح الحق في الدولة وكأنه نتيجة محتملة إذا استوفى الفلسطينيون الشروط الموضوعة لهم .
أي أننا قد نكون أمام انتقال أخطر هنا ، من حق تقرير المصير بوصفه حقاً أصيلاً غير مشروط ، إلى أستحقاق سياسي مرتبط بمعايير يضعها الآخرون ، مع إبقاء البنية الاستعمارية الإسرائيلية نفسها خارج المساءلة والتفكيك . بل إن جانباً واسعاً من الخلاف داخل التيارات الصهيونية الإسرائيلية بالانتخابات القادمة يدور حول شكل إدارة السيطرة ودرجتها وأدواتها ، دون أن يدور حول إنهاء الأحتلال والاعتراف الكامل بحقوق شعبنا الوطنية .
والأكثر دلالة أن التصورات الإسرائيلية حول «إعادة بناء النظام الفلسطيني» جعلت غزة مساحة البداية ، على أن يمتد النموذج لاحقاً إلى الضفة إذا نجح . وبذلك يمكن أن تتحول غزة إلى مختبر لنظام جديد يتمثل في ، إدارة فلسطينية مقيدة، ورقابة أمنية ومالية خارجية، ونزع للسلاح ، وإعادة صياغة للمؤسسات والتعليم والخطاب السياسي ، وربط الاقتصاد والإعمار بشروط محددة .
وفي الضفة الغربية يجري الوجه الآخر للعملية نفسها ، فبينما يُراد إعادة هندسة النظام الفلسطيني في غزة ، يجري في الضفة إعادة هندسة الجغرافيا الفلسطينية وحدود الولاية السياسية ذاتها .

ولا يمكن فصل ما يقال اليوم عن تعزيز قوات الأحتلال ورفع مستوى الجاهزية والحديث عن احتمال توسيع العمليات العسكرية وأحتلال مزيد من المخيمات الفلسطينية عن المشهد السياسي والإستيطاني الأوسع . فإذا اتسعت هذه العمليات ، فلن تكون آثارها أمنية فقط ، بل قد تؤدي إلى اثار سياسية بمزيد من تقليص قدرة المؤسسات الفلسطينية على العمل وتوسيع السيطرة العسكرية المباشرة على الأرض .
وفي الوقت نفسه ، يتقدم الأستيطان والضم بالوقائع والاقتحامات اليومية حتى لمناطق A ، ويبرز مشروع E1 بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم» باعتباره نموذجاً بالغ الدلالة . فالمسألة لا تتعلق بإضافة وحدات استيطانية فقط ، بل بتعميق فصل القدس عن محيطها الفلسطيني وضرب التواصل الجغرافي بين جنوب وشمال الضفة ، بما يمس أحد الشروط الأساسية لإمكانية تجسيد دولة فلسطينية متواصلة جغرافياً ، الخيار الذي بات مُعدماً بفعل الوقائع على الارض ، ما يفترض امتلاك شعبنا لبدائل تتعلق برؤية وارادة سياسية واضحة تحقق المستقبل الحُر .
فإسرائيل لا تحتاج إلى إعلان ضم الضفة دفعة واحدة ، فالضم يتقدم بالوقائع من مشروع استيطاني يتوسع ، وبؤرة تُشرعن ، وأرض تُصادر ، وطريق يُغلق ، وحاجز يُضاف ، وقرية تُحاصر ، ومخيم يخضع لعملية عسكرية أو للهدم والتهجير ، وصلاحية فلسطينية تتراجع .
وهكذا تتكامل الأدوات ، فالعملية العسكرية تعيد رسم نطاق السيطرة ، والاستيطان يعيد رسم الجغرافيا ، والضم يحول الوقائع إلى بنية دائمة ، فيما يُراد إعادة صياغة وظيفة النظام الفلسطيني ليتكيف مع هذا الواقع بدلاً من تغييره .
وهنا يلتقي ما يجري في غزة بما يجري في الضفة ، ففي الأولى محاولات لفرض الوصاية وإدارة السكان وإعادة بناء النظام وفق اشتراطات خارجية ، وفي الثانية تفكيك للجغرافيا ، وتوسيع محتمل للعمليات العسكرية ، وتسارع للاستيطان والضم وتقليص للولاية الفلسطينية .
وقد يقود المساران إلى نتيجة واحدة تتمثل في إعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية شعب يناضل للتحرر من الأحتلال وتقرير المصير ، إلى قضية تجمعات سكانية منفصلة يجري البحث عن صيغ أمنية وإدارية واقتصادية لإدارتها .
وهنا تظهر المعادلة الأكثر خطورة ، إعادة هندسة المواطن الفلسطيني ونظامه السياسي ، بدلاً من تفكيك البنية الاستعمارية التي تحكم حياته وأرضه .
ولا يعني ذلك رفض الإصلاح الفلسطيني ، فنحن بحاجة إلى إصلاح عميق نابع من إرادتنا الوطنية المستقلة ، يعيد بناء النظام السياسي ، ويجدد الشرعيات المستحقة انتخابياً دون تأجيلها بقرار ذاتي ، ويُكرس الديمقراطية وسيادة القانون وفصل السلطات والمساءلة ، ويعيد بناء منظمة التحرير باعتبارها جبهة وطنية عريضة والممثل الشرعي والوحيد لشعبنا .
فالفارق جوهري بين إصلاح يقرره شعب يريد استعادة مؤسساته في سياق مشروع تحرري ، وإصلاح يُفرض عليه ليصبح أكثر قابلية للإدارة تحت الأحتلال .
وهنا يكمن أحد أهم دروس أوسلو بعد ثلاثة وثلاثين عاماً ، فالمرحلة الانتقالية تحولت إلى واقع طويل الأمد ، بينما واصل الأحتلال تغيير الأرض التي كان يفترض التفاوض على مستقبلها . واليوم ينبغي ألا نكرر التجربة بصيغة أشد خطورة ، بأن ألا يتحول «اليوم التالي» لغزة إلى عقود أخرى من الإنتقال المؤجل ، وألا يصبح «الإصلاح» اسماً جديداً للوصاية ، ولا «إعادة الإعمار» بديلاً عن التحرر ، ولا إدارة السكان بديلاً عن إنهاء الأحتلال .
بعد ثلاثة وثلاثين عاماً على أوسلو ، نحن بحاجة إلى النقد والمراجعة واستخلاص الدرس لا إلى اجترار الماضي ، فالقضية الفلسطينية ليست مشكلة إدارة تحتاج إلى هندسة أفضل ، ولا قضية سكان يبحثون عن أدارة سلطة أفضل ، بل قضية شعب تحت أحتلال أستعماري إحلالي يمتلك حقاً غير مشروط في تقرير المصير والأستقلال الوطني والسيادة على أرضه وموارده .
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا الفلسطينية أيضاً: التعامل مع الضفة وغزة والقدس باعتبارها أرض الدولة الفلسطينية تحت الاحتلال، وإعادة بناء النظام السياسي على أساس مشروع تحرر وطني، وتجديد منظمة التحرير ومؤسساتها وشرعياتها انتخابياً، وتوحيد طاقات شعبنا وأدوات كفاحه السياسية والشعبية والقانونية والدبلوماسية.
وتكتسب الانتخابات هنا معنى يتجاوز صناديق الاقتراع والمقاعد، لأنها جزء من معركة تجديد الشرعيات ووحدة النظام السياسي في مواجهة مشروع يعمل على تفكيك الجغرافيا، وتقليص الولاية الفلسطينية، وتغيير وظيفة السلطة وإعادة تعريف القضية نفسها.
فإذا كان أوسلو قد بدأ بمرحلة انتقالية لم تصل إلى نهايتها المعلنة، فإن الخطر اليوم أن يُراد لنا الدخول في مرحلة انتقالية جديدة بلا سقف زمني، تحت عناوين «اليوم التالي» و«إعادة الإعمار» و«إعادة بناء النظام الفلسطيني».
وما نحتاجه بعد ثلاثة وثلاثين عاماً ليس اتفاقاً آخر لإدارة الاحتلال، ولا صيغة أكثر كفاءة لإدارة السكان، بل مشروعاً وطنياً تحررياً لإنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة.
*عضو المجلس الاستشاري لحركة «فتح» .
14/09/2026 20:31 56

.jpg)




