
صبا.نت
* د. مروان إميل طوباسي .
في اللحظة التي يواجه فيها شعبنا واحدة من أخطر مراحل قضيته الوطنية ، من حرب الإبادة والتهجير إلى الأستيطان والضم وإرهاب المستوطنين كمثال قصرة والمغير اليوم ، والتراجع عن مبدأ الإعمار بعد الأوهام التي صنعها «مجلس السلام» ولجنته «الوطنية» الإدارية في غزة ، والتي برأيي لن تقف محاولات انتاجها لاحقا عند حدود غزة ، وصولاً إلى مشاريع الفصل والوصاية وإدارة السكان ، تصبح إعادة بناء نظامنا السياسي ومؤسساتنا الوطنية وتجديد شرعيتها ضرورة لا تحتمل التأجيل ، لتكون قادرة على مواجهة هذه التحديات وتجديد المشروع الوطني التحرري فعلاً لا قولاً ، وتغير الوقائع التي قد فرضها ويحاول الأحتلال فرضها ، دون قبول التعايش معها .
إن إعادة البناء الوطني لا تقاس بمجرد إجراء الإنتخابات أو استكمال عضوية المؤسسات التمثيلية ، وإنما بطبيعة الآليات المعتمدة ، وبمدى تعبيرها عن الإرادة الشعبية ، وقدرتها على إنتاج تمثيل ديمقراطي حقيقي يعيد الثقة بالمؤسسة الوطنية ، لا بالأشخاص .
فالمجلس الوطني والذي قد يتم اللجؤ الى تشكيله للأستعاضة عن عدم التمكن من إجراء أنتخابات المجلس التشريعي او تأجيل اجراءاها . هو برلمان شعبنا في الوطن والشتات ، والمؤسسة السياسية والتشريعية العليا لمنظمة التحرير . لذلك ينبغي أن يكون تشكيله فرصة لاستعادة دوره ومكانته ، وتطوير منظمة التحرير وتجديد فعلها ، وإعادة وصل الفلسطينيين جميعهم في مختلف أماكن وجودهم بمؤسستهم الوطنية الجامعة بعيدا عن محاصصات تحمي مصالح ضيقة أو عن ضرورات انتخابات المجلس التشريعي كمكون منه .
وما جرى أخيراً في بعض الدول ، وما يجري التحضير له في ساحات أخرى ، يثير ملاحظات جدية حول ما يسمى «المجمعات الانتخابية» بما لها وما عليها ، وكيفية تشكيلها ومعايير عضويتها وتمثيلها الفعلي للجاليات ، ومرجعية ودور المفوضين بالإشراف عليها .
فلا يكفي إطلاق صفة «مجمع انتخابي» على تجمع ما لكي يصبح ممثلاً لمكونات الجالية . هناك اتحادات وأطر ومؤسسات وكفاءات فلسطينية نشأت في الشتات على مدار عقود ، وهي ليست امتداداً إدارياً للسلطة أو لفصيل بعينه ، بل مكونات للمجتمع الفلسطيني ينبغي إحترام استقلاليتها ودورها وإشراكها في بناء آليات التمثيل الوطني .
وحيثما تسمح الظروف ، يجب أن يكون الأصل الانتخاب الحُر المباشر والديمقراطي والشفاف . وحيث تحول قوانين بعض الدول المضيفة أو ظروفها دون ذلك ، يمكن اعتماد صيغ توافقية وطنية واسعة ومعلنة ، تستند إلى المؤسسات الفاعلة جميعها وللكفاءات الوطنية ، وتحترم حق الكل الفلسطيني في المشاركة ، باعتبار أن كل فلسطيني بلغ الثامنة عشرة عضواً طبيعياً في منظمة التحرير وفق ميثاقها .
والإشكالية نفسها ، وإن بصورة مختلفة ، تظهر هنا في الوطن ،
فقد جرى التوجه نحو تشكيل «مجمعات انتخابية فتحاوية» في المحافظات لاختيار مرشحي كتلة «فتح» للانتخابات التشريعية . ورغم أن إشراك قواعد الحركة أفضل من التعيين من "فوق" كما يقال ، فإن الآلية المقترحة بما لها وما قد يكون عليها تحتاج إلى مراجعة ونقاش داخل أطر وهياكل «فتح» ، بما فيها المجلسان الثوري والإستشاري المنصوص على دورهم بالنظام الداخلي كما المجالس الحركية .

فالانتخابات التشريعية تقوم على التمثيل النسبي وأعتبار الوطن دائرة انتخابية واحدة ، بينما تقوم هذه الآلية من خلال المجمعات على التوزيع الجغرافي للمحافظات . وقد يؤدي اعتماد الجغرافيا بدلاً عن صيغة "الوطن وحدة واحدة" ، إلى إعادة إنتاج موازين القوى ومراكز النفوذ ، وتقديم الحصص على وحدة الوطن والبرنامج والكفاءة والحضور النضالي والمجتمعي ، والحد من فرص الشباب والمرأة والطاقات الجديدة ، بل وإعادة تدوير أسماء استنفذت دورها في تجارب سابقة .
فالنائب ليس ممثلاً لمحافظته ، بل للشعب الفلسطيني كله بالوطن . و«فتح» ، باعتبارها المفترض حركة تحرر وطني واسعة وتعددية ، تحتاج إلى كتلة سياسية موحدة على مستوى الوطن تعبر عن رؤيتها وبرنامجها السياسي والأجتماعي والإقتصادي ، وتجمع بين التجربة الكفاحية والتجديد والكفاءة والنزاهة والقدرة على استعادة ثقة الناس ، وتحاول من خلالها تقديم الحلول لمشاكل الناس اليومية ان تقترب منهم وتكون بينهم ، بعيدا عن القول "بأننا لا نملك ما نقدمه لشعبنا" ، الأمر الذي يتناقص مع أصل وجودها واستمرارها .
وهنا تلتقي التجربتان ، رغم اختلافهما ، ففي اختيار ممثلي المجلس الوطني بالشتات ، كما في اختيار القوى السياسية لمرشحيها للتشريعي ، يجب توسيع المشاركة ، ووضوح المعايير ، واحترام التعددية وتكافؤ الفرص ، وعدم هندسة النتائج مسبقاً لخدمة الجغرافيا او مصالح محددة .
لقد دفع نظامنا السياسي ومنظمة التحرير و«فتح» نفسها ثمناً باهظاً نتيجة تغييب الانتخابات العامة ، وتكرار آليات التعيين وتغول مراكز النفوذ ، وتراجع الحياة الديمقراطية وخلط ارتباط الحركة بالسلطة واتساع المسافة بين الناس ومراكز صنع القرار ، فلا يمكن معالجة أزمة الشرعية بالأدوات نفسها التي أسهمت في إنتاجها .
لذلك فإن نَقد هذه الآليات ليس اعتراضاً على الإنتخابات أو إحياء وتطوير دور ومكانة منظمة التحرير أو مشاركة قواعد «فتح» ، بل دفاع عن معناها الديمقراطي الحقيقي ، وعن مشاركة أكثر شفافية واتساعاً ، تفسح المجال أمام الكفاءات والطاقات الجديدة بعيدا عن القبلية الجغرافية والعشائرية والمحاصصة .
فالانتخابات المقبلة ، رغم تخوف البعض من اجرائها بما ستأتي به من تغيير وفق استطلاعات الرأي ، وللحقيقة التي لا يريد البعض رؤيتها والأقرار بها ، والى عراقيل الأحتلال التي قد يضعها ، اضافة الى واقع غزة المدمرة والمؤلم ، ينبغي أن تتحول إلى جزء من معركتنا السياسية والديمقراطية ضد منهج الإستعمار الإحلالي وسياساته والى استنهاض الحركة الوطنية وبالمقدمة منها «فتح» ، لانه من جهة اخرى فقد تم سابقا الاعلان عن موعد الإنتخابات في نوفمبر القادم رغم المعرفة بهذه المعيقات التي لم تأتي فجأة ، والتي بتاجيلها قد تحمل مخاطر على صمود شعبنا ووحدته . وإلى ضرورة التأكيد من خلال هذه الإنتخابات على حق شعبنا في اختيار ممثليه وتقرير مستقبله ومصيره ، والعمل بجدية على وضع ملف الإنتخابات أمام الهيئات الأممية والدول الصديقة ومطالبتها بتحمل مسؤولياتها في حماية حقوق شعبنا السياسية والديمقراطية ، كما ومبادئ حقوق الأنسان ونصوص المواثيق والمعاهدات الدولية التي هي نفسها جزء من الأطراف الموقعة عليها .
إننا لا نحتاج إلى انتخابات تعيد إنتاج الواقع القائم ، بل إلى عملية وطنية ديمقراطية تعيد بناء المؤسسات وتجدد الشرعيات وتستنهض طاقات شعبنا و«فتح» والحركة الوطنية في الوطن والشتات ، لأن التاريخ لا يقبل السكون ولا الفراغ .
فتاريخ الحركات التحررية والسياسية يمنحها رصيداً وطنيا كبيراً ، لكنه لا يمنحها تفويضاً دائما اذ لم تتجدد وتتطور وتكون بين الناس ومعهم في مطالبهم المعيشية وكفاحهم الوطني ضد الأستيطان والأحتلال ، وتعيش واقع اليوم دون الركون الى تاريخ مضى ، لكنه يجب ان يُحترم .
فلسطين أكبر من الفصائل والأشخاص والمواقع والمناصب ، ومنظمة التحرير ليست ملكاً لأحد ، و«فتح» ليست احتكاراً لهيئة دون مجموع هيئاتها وأبنائها وشهداؤها وأسراها .
فالبداية تكون بإعادة الشعب ، صاحب السلطات ومصدر الشرعية ، إلى قلب الحراك السياسي والى المؤسسة الوطنية الجامعة ، فالمؤسسات والحركات التحررية والسياسية القوية لا تخشى إرادة الناس والتعددية والتغيير ، بل تستمد منهما شرعيتها ومكانتها وقوتها ، وهكذا «فتح» وحركتنا الوطنية التي نحتاجها اليوم ، يجب أن تكون في مراجعة ذاتها ، وفي مواجهة الأعداء والخصوم الذين يحاولون حجب الشمس واعادة عجلة التاريخ الى الوراء .
09/09/2026 13:14 50

.jpg)





