صبا.نت

الكاتب: رائد عمر

رغم كل ما يحيط بالمشهد الفلسطيني من تعقيدات سياسية وميدانية ورغم حالة التشكيك المتزايدة حول إمكانية إجراء الانتخابات التشريعية فإنني أرى أن الانتخابات قادمة لا محال وأن السؤال الحقيقي لم يعد هل ستجرى الانتخابات بل كيف ستجرى وكيف ستواجه القيادة الفلسطينية العقبات التي قد تعترض طريقها؟

هناك من يشكك في نية القيادة الفلسطينية إجراء الانتخابات من الأساس وهناك من يتمنى تأجيلها بحجة أن الظروف الحالية غير مواتية في ظل ما تشهده الأراضي الفلسطينية من تصعيد إسرائيلي وحالة سياسية وأمنية بالغة التعقيد.

وفي المقابل هناك من يجزم بأن الاحتلال الإسرائيلي سيحاول منع إجراء الانتخابات في القدس وربما في قطاع غزة أيضا الأمر الذي قد يشكل ذريعة أو مبررا لتأجيلها.

لكن إذا كانت القيادة الفلسطينية تريد بالفعل أن تثبت وجودها السياسي والقانوني على الأرض فعليها أن تمضي نحو إجراء الانتخابات التشريعية رغم كل العقبات والمعيقات وألا تمنح الاحتلال حق تحديد مستقبل النظام السياسي الفلسطيني أو توقيت استحقاقاته الديمقراطية.

فالانتخابات ليست مجرد عملية اقتراع واختيار نواب وإنما هي جزء أساسي من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتجديد شرعية المؤسسات وتعزيز حضور القضية الفلسطينية باعتبارها قضية شعب يسعى إلى تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

ومن هنا فإن أي محاولة إسرائيلية لمنع الانتخابات في القدس أو في أي منطقة فلسطينية يجب ألا تكون سببا لإلغائها بل يجب أن تتحول إلى قضية سياسية وقانونية ودولية وأن تتحمل إسرائيل مسؤولية تعطيل حق الفلسطينيين في ممارسة حقهم الديمقراطي.

أما إذا استسلمت القيادة الفلسطينية مسبقا للمعيقات التي قد يضعها الاحتلال أمام إجراء الانتخابات فإن الأمر يصبح أكثر خطورة من مجرد تأجيل استحقاق انتخابي لأن ذلك يعني عمليا قبول أن تكون إسرائيل هي الطرف الذي يحدد متى يستطيع الفلسطينيون ممارسة حقهم السياسي ومتى يستطيعون انتخاب ممثليهم.

وفي هذه الحالة فإن السؤال الأكبر الذي سيطرح نفسه هو إذا كان الاحتلال يستطيع تعطيل الانتخابات وتعطيل المؤسسات ومنع الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم فما الذي تبقى من صلاحيات السلطة الفلسطينية؟

ولهذا فإن الوصول إلى مرحلة الاستسلام الكامل للمعيقات الإسرائيلية سيضع السلطة أمام استحقاق سياسي أكبر بكثير يتمثل في ضرورة إعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال وصولا إلى تحميله مسؤولياته الكاملة باعتباره قوة احتلال بدل أن تتحول السلطة الفلسطينية إلى جهة تتحمل مسؤوليات إدارة واقع يفرضه الاحتلال من جهة بينما تسلب منها أدوات العمل السياسي من جهة أخرى.

ولا يمكن للمجتمع الدولي أن يبقى متفرجا على هذا المشهد فالدول التي تتحدث باستمرار عن الديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها مطالبة اليوم بأن تترجم هذه المبادئ إلى مواقف عملية وأن تمارس ضغطا حقيقيا على الاحتلال الإسرائيلي لضمان حق الفلسطينيين في إجراء انتخابات حرة ونزيهة بما يشمل القدس وقطاع غزة والضفة الغربية.

الانتخابات الفلسطينية ليست منحة من الاحتلال وليست شأنا إسرائيليا حتى يقرر السماح بها أو منعها إنها حق فلسطيني واستحقاق سياسي وديمقراطي.

ولهذا فإن المطلوب من القيادة الفلسطينية ليس البحث عن مبررات للتأجيل وإنما البحث عن الوسائل التي تضمن إجراء الانتخابات رغم كل العقبات.

فالانتخابات في نهاية المطاف ليست اختبارا للفلسطينيين وحدهم وإنما هي أيضا اختبار للقيادة الفلسطينية وللمجتمع الدولي ولقدرة النظام السياسي الفلسطيني على مواجهة الاحتلال بدل الاستسلام لشروطه.

وإذا كانت هناك إرادة حقيقية لإعادة بناء البيت الفلسطيني وتجديد الشرعيات وإنهاء حالة الجمود السياسي فإن البداية يجب أن تكون من صندوق الاقتراع...نعم الانتخابات قادمة لا محال… لكن التحدي الحقيقي هو هل نملك الشجاعة السياسية لإجرائها مهما كانت العقبات.
calendar_month31/08/2026 15:07   visibility 52