
صبا.نت
د. مروان إميل طوباسي .
تظهر في الآونة الأخيرة بعض الدعوات إلى ما يسمى «الواقعية السياسية» في عدد من المقالات ، انطلاقاً من حجم المأساة التي يعيشها شعبنا ، واختلال موازين القوى ، والحاجة الملحة إلى حماية الناس وبقائهم على أرضهم ، والحفاظ على مؤسساتهم الوطنية . وهي اعتبارات لا يجوز التقليل من أهميتها ، بل ينبغي أن تكون في صلب أي رؤية وطنية مسؤولة . لكن السؤال ليس في ضرورة الواقعية ، بل في مضمونها وحدودها ، فهل تعني قراءة الواقع من أجل تغييره ، أم التكيف معه وتحويل نتائجه إلى برنامج سياسي ؟
هذه المسألة تكتسب خطورتها اليوم تحديداً ، في ظل تسارع المشروع الإستيطاني الإحلالي ، ومحاولات فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية وقطاع غزة ، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية من قضية شعب يناضل من أجل التحرر وتقرير المصير إلى قضية سكان يحتاجون إلى الأمن والعمل والإغاثة وتحسين شروط الحياة .
لا خلاف على أن بقاء شعبنا وصموده على أرضه ومواجهة التهجير أولوية وطنية اليوم ، وأن حماية المجتمع من الفوضى والسلاح المنفلت والجريمة واجب وطني ، وأن إصلاح السلطة ومؤسساتها وترشيد نفقاتها ومراجعة الامتيازات والتعيينات والرتب المتضخمة ومحاربة الفساد ضرورة لم تعد تحتمل التأجيل . كما لا خلاف على أهمية الاستفادة من التناقضات داخل المجتمع الإسرائيلي ، والتواصل مع القوى والشخصيات والمؤسسات المناهضة للأحتلال والأستيطان والعنصرية والحرب واستمرار اضطهاد شعب آخر ومناهضة حقه بتقرير المصير ، هو شعبنا الفلسطيني صاحب الأرض والساعي الى الحرية والعدالة والسلام الحقيقي .
لكن هناك فارقاً جوهرياً بين استخدام هذه الأدوات في مواجهة الأحتلال ، وبين إعادة صياغة المشروع الوطني وفق متطلبات التعايش مع أستمراره .
فالاقتصاد الفلسطيني لم يصل إلى أزمته الراهنة لأن الفلسطينيين لم يقدموا ما يكفي من الضمانات للأمن الإسرائيلي ، بل لأن الأحتلال يمتلك أدوات التحكم بالمقاصة والمعابر والحركة والتجارة والأرض والموارد وفق اتفاقيات أوسلو وتبعاتها التي تم التوقيع عليها سابقا وفق مخطط أمريكي إسرائيلي لحصار شعبنا وقيادته وتقويض مشروعنا التحرري ، وظناً من طرفنا بان ذلك سيؤدي الى اقامة الدولة والأعتراف بها .
أن عودة العمال إلى أماكن عملهم واسترداد أموال المقاصة حقوق ومصالح فلسطينية ، ولا ينبغي تحويلها إلى مقابل سياسي أو أمني يدفعه الفلسطيني لإثبات حسن سلوكه أمام القوة القائمة بالأحتلال .

والأمر نفسه ينطبق على مفهوم الأمن ، فنحن بحاجة إلى أمن فلسطيني يحمي المواطن والحريات والمجتمع وسيادة القانون ويواجه الجريمة والفوضى ، لكن الأمن القومي لشعب ما زال تحت الأحتلال لا يمكن تعريفه انطلاقاً من احتياجات الأمن الإسرائيلي . الخلط بين مقاومة الأحتلال وبين الفوضى والتطرف يحوّل وظيفة المؤسسات الفلسطينية من حماية المجتمع ومشروعه الوطني إلى إدارة السكان وضبطهم وفق اشتراطات خارجية .
أما المقاومة الشعبية والسلمية ، فلا تستمد مشروعيتها أو قوتها مما قد يتبقى لدى المحتل من «أخلاق» . الانتفاضة الشعبية الأولى لم تستمد قوتها من تسامح الأحتلال ، بل من تنظيم المجتمع ووحدة إرادته واتساع المشاركة الشعبية والقدرة على الكفاح الوطني والصمود ، ومن تحويل القمع إلى كلفة سياسية وأخلاقية وقانونية أمام العالم عزلت اسرائيل قبل ان تُقدمها اتفاقات أوسلو لشريك بعملية السلام امام العالم . والمقاومة الشعبية ليست نقيضاً للمشروع التحرري ، بل إحدى أدواته الأساسية عندما تكون جزءاً من استراتيجية وطنية شاملة .
ومن هنا أيضاً تبرز خطورة دعوة البعض إلى تجاوز مرحلة الفصائل وتحويل حركة فتح إلى «حزب للسلطة والسلام» . ففتح لم تنشأ باعتبارها حزب سلطة ، بل حركة تحرر وطني تتجدد وتغير أدواتها ، والسلطة الفلسطينية نفسها لم تُنشأ لتكون غاية المشروع الوطني ، وإنما أداة انتقالية في اطار المشروع التحرري لا بديلا عنه ، يفترض أن تقود إلى تمكين شعبنا وإنهاء الأحتلال وتجسيد الإستقلال كشرط نحو تحقيق السلام العادل . المطلوب استنهاض وإصلاح "فتح" ومنظمة التحرير والسلطة وتنظيم العلاقة بينهم ، وإعادة تنظيم العلاقة مع الأحتلال على اساس تناقضي بين مشروع استعماري ومشروع تحرري ، وبناء الحياة السياسية على أسس ديمقراطية من خلال فصل السلطات والانتخابات بما يضمن المشاركة الشعبية الواسعة ، وليس إعادة تعريفها بما يتناسب مع ديمومة الواقع القائم واستمرار ازمة نظامنا السياسي .
نحن بالفعل بحاجة إلى الواقعية ، لكن إلى واقعية تُعرف ميزان القوى من دون أن تُقدسه ، وتحمي حياة الناس من دون أن تختزل قضيتهم في شروط الحياة ، وتحافظ على المؤسسات من دون أن تجعل بقاءها بديلاً عن الحرية ، وتستفيد من التناقضات داخل إسرائيل والعالم من دون أن تجعل الحقوق الفلسطينية رهينة بها .
فالبقاء على الأرض ليس نقيضاً للتحرر ، بل شرطاً له . والإصلاح بقرار وطني ليس بديلاً عن المقاومة السياسية والقانونية والشعبية ، بل أحد مقوماتها . والسلام ليس مجرد غياب للمواجهة ، بل نتيجة لإنهاء الأحتلال وتحقيق العدالة والحقوق الوطنية السياسية .
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يكون واضحاً أمامنا اليوم ليس ، كيف نحافظ على السلطة بأي ثمن ؟ بل ، كيف نحافظ على السلطة ومؤسساتنا الوطنية باعتبارها أدوات لحماية شعبنا وخدمة مشروعه التحرري .
فالخطر في هذه المرحلة لا يكمن فقط في محاولات تفكيك المشروع الوطني ، بل أيضاً في أن نعيد نحن تعريفه ، تحت ضغط الواقع ، من مشروع للتحرر إلى مشروع لإدارة البقاء تحت الأحتلال او أدارة السكان .
07/08/2026 21:50 45

.jpg)






