صبا.نت

أمام هذا الكم الهائل من التحليلات السياسية المتعلقة بنتائج الانتخابات الإسرائيلية وكذلك الأمريكية، يبقى هاجسنا الدائم: هل من الممكن أن تؤثر هذه النتائج على الشعب الفلسطيني ومعاناته وآلامه وأحزانه؟
وسائل الإعلام وكافة وسائل التواصل الاجتماعي غارقة في تحليل نتائج الانتخابات، سواء الإسرائيلية أم الأمريكية، في الوقت الذي لا يزال فيه شعبنا غارقاً في معاناته وآلامه وأحزانه، فيما تخرج صرخات القهر والألم والإذلال والعذاب من غزة، لعلها تصل إلى أولئك الذين يتحكمون بمصائر الشعوب ويتخذون القرارات المصيرية في العالم.
وهنالك من يحدثوننا عن حرب وشيكة، وكأن ما عشناه حتى اليوم كان نزهة، ولم يكن حرباً وما رافقها من آلام ومعاناة عاشها شعبنا وما زال يعيشها.
البوصلة هي فلسطين وشعبها المنكوب والمظلوم، وما نتمناه هو أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى ما هو أفضل وأحسن، وإلا فما الفائدة من كل هذه السجالات والنقاشات والتحليلات السياسية التي سئمها شعبنا الفلسطيني، وهو يعاني ما يعانيه في ظل سياسات الاحتلال والاستبداد والقمع والظلم المستمر والمتواصل؟
وحتى أولئك الذين يعبرون عن مواقفهم وينحازون إلى شعبهم هم مهددون بالملاحقة والاعتقالات والاستجواب، وكأنه أصبح من المحرمات أن تدافع عن هذا الشعب المظلوم، وأن تنادي بحرية شعب قدم هذا الكم الهائل من التضحيات، وهو يستحق هذه الحرية، ويستحق أن ينعم بحياة أفضل في أرضه ووطنه، وفي هذه البقعة المباركة من العالم.
لا أريد أن أكون مفرطاً في التفاؤل، ولكنني أيضاً لا أريد أن أكون متشائماً، فنحن نلحظ أن هنالك شيئاً يتغير في هذا العالم لصالح الفلسطينيين، وذلك في القارتين الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، وفي أوروبا وأستراليا وغيرها من الأماكن.
العالم يتغير، وإن كان ذلك بخطى بطيئة، ولكن التغيير نحو الأفضل إنما هو خطوة في الاتجاه الصحيح، ونتمنى أن يستمر هذا التغيير حتى يصبح الأحرار في عالمنا قادرين على التأثير في سياسات بلدانهم.
أميل إلى التفاؤل أكثر من التشاؤم، لأن قضية الشعب الفلسطيني هي قضية عادلة، والقضية العادلة هي المنتصرة على الظلم والاستبداد والقمع والاحتلال.
أما دماء شعبنا المسفوكة، وبشكل خاص في غزة المحاصرة والضفة الغربية، فإنما هي أبلغ خطاب، فدماء الفلسطينيين وتضحياتهم هي التي جعلت الضمائر الحية في هذا العالم تتحرك نصرة لهذا الشعب المظلوم، مع تمنياتنا بأن يكون هنالك تحرك في الأقطار العربية الشقيقة، ومواقف واضحة وجريئة تنادي بوقف حرب الإبادة ووقف معاناة شعبنا الفلسطيني المظلوم والمنكوب.
وفي الوقت الذي يتغير فيه العالم لصالحنا كفلسطينيين، نلحظ أن الحال الفلسطيني الداخلي ليس كما كنا نريد ونتمنى.
ليس من المنطق أن يتغير العالم لصالحنا، بينما يبقى حالنا الفلسطيني كما هو، دون أي تغيير نحو الأفضل، ودون ترتيب للبيت الفلسطيني الداخلي بما يرقى إلى مستوى هذا الشعب وآلامه وأحزانه وتطلعاته المستقبلية.
إن المناداة بترتيب البيت الفلسطيني الداخلي ليست ترفاً فكرياً، وليست شعاراً نتغنى به، بل هي حاجة استراتيجية ووطنية في ظل هذه التغيرات الدراماتيكية التي يشهدها عالمنا لصالح شعبنا وقضيته العادلة.
الفصائل والأحزاب الفلسطينية، وكل مسؤول فلسطيني، وكل مواطن فلسطيني، يجب على الجميع أن يسعوا من أجل ترتيب أوضاعنا وترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، لكي يكون منيعاً وقوياً أمام هذا الكم الهائل من التحديات والمؤامرات التي تعصف بنا.
الأولوية يجب أن تكون للانتماء الوطني، وليس للانتماء الفصائلي والحزبي، فالأحزاب وجدت من أجل خدمة الشعب والقضية الفلسطينية العادلة، وليس لكي تكون عائقاً أمام الإصلاحات والترتيبات الضرورية للوضع الفلسطيني الداخلي، في ظل ما يشهده العالم من تغيرات وتحديات.
غزة المنكوبة والمكلومة تستصرخ الضمائر الحية في كل مكان من أجل وقف هذه المعاناة وهذه الآلام والأحزان.
لا يجوز الاستسلام لحالة الإدمان على متابعة أوضاع مدينة غزة، فما يحدث هناك ليس أمراً اعتيادياً، وليس خبراً عاجلاً، وليست أحداثاً يجب أن نعتاد عليها وكأنها أصبحت أمراً طبيعياً؛ أن نسمع عن ارتقاء الشهداء، وعن شعب يتضور جوعاً وألماً وعطشاً، ويعاني الإذلال.
ما يحدث في غزة ليس خبراً عاجلاً، وليس أمراً اعتيادياً، إنها نكبة شعب ومعاناة أكثر من مليوني إنسان يعيشون في أوضاع لا يمكن أن يتصورها العقل البشري. ففي ظل الثقافة الاستهلاكية التي يعيشها العالم اليوم، نرى أن غزة محرومة من أبسط مقومات الحياة، وأصبح هدف الإنسان الغزي أن يحصل على قليل من الخبز والطعام والماء من أجل أسرته وأبنائه وأطفاله.
أي عالم هذا؟ وأي قسوة هذه التي يعيشها الغزيون، في حين أن الكثيرين في هذا العالم يموتون من كثرة الطعام والتخمة، بينما يموت أبناء القطاع من الجوع والقهر والإذلال وسياسات الحصار الممنهجة؟
أين هم أثرياء العرب من مأساة غزة؟ وأين هي الدول العربية من كارثة غزة المروعة؟ وإننا، إذ نقدر المبادرات وأعمال الإغاثة التي تقوم بها بعض الأقطار العربية الشقيقة، إلا أن الحاجة في غزة كبيرة، والألم كبير، والمعاناة لا يمكن أن يستوعبها عقل بشري.
أما الضفة الغربية فقد تحولت إلى سجن كبير، حيث البوابات الحديدية في كل مكان، وأسوار الفصل العنصري تحيط بالضفة، وكأن الفلسطيني محكوم عليه بأن يعيش في سجن كبير، وهو غير قادر على الانتقال من مكان إلى آخر.
إننا، في أعقاب نتائج الانتخابات الأمريكية الأخيرة وكذلك الإسرائيلية، نتمنى أن تؤدي هذه النتائج إلى تغيير الواقع الذي يعيشه الفلسطينيون، وأبسط المطالب هي أن تزول الحواجز العسكرية، وأن يتمتع الإنسان الفلسطيني بحرية الانتقال من مكان إلى آخر.
يسعون إلى اقتلاع القدس من الجسد الفلسطيني، ويسعون إلى إبعاد الجسد الفلسطيني عن القدس. فهم يريدون أن تكون القدس في مكان والفلسطينيون في مكان آخر، ويتناسون أن القدس موجودة في وجدان وثقافة وهوية كل فلسطيني، وكل عربي، وكل إنسان حر في هذا العالم.
ما يحدث في الضفة يندرج في إطار التآمر على شعبنا وعدالة قضيته، فتجويع الفلسطينيين ومنعهم من الوصول إلى أعمالهم وأشغالهم، وما يقوم به المستوطنون من اقتحامات واستيلاء على العقارات الفلسطينية، إنما كل ذلك يندرج في إطار مخطط مبرمج ومرسوم، يهدف إلى تركيع الإنسان الفلسطيني وإذلاله وتجويعه، والإمعان في التآمر على قضيته.
إن السلام الذي نادى به الفلسطينيون في وقت من الأوقات لم يكن سلام الاستسلام، ولم يكن سلام الضعفاء، بل هو سلام الحق والعدالة واستعادة الحقوق السليبة.
سنبقى نؤمن بالسلام وننادي به، ولكن سلامنا ليس على مقياس ما يفكر به المحتلون؛ فالسلام شيء والاستسلام شيء آخر. والفلسطينيون لن يقبلوا بالاستسلام، بل هم ينادون بالعدالة، ومن حقهم أن يعيشوا أحراراً في وطنهم، وأن ينعموا بالأمن والأمان والسلام، مثل باقي شعوب العالم.
متى سيفهم القادة السياسيون في إسرائيل أن السلام لا يُبنى على حطام الشعب الفلسطيني؟ ومتى سيفهم القادة السياسيون في الغرب أن مفتاح السلام في منطقتنا وعالمنا هو حل القضية الفلسطينية، وهي قضية عالقة منذ عشرات السنين؟ فمنذ وعد بلفور وحتى حرب الإبادة في غزة، والفلسطينيون يعيشون النكبات والنكسات والحروب، في حين أنهم يتطلعون إلى مستقبل أفضل، يعيشون فيه بحرية وكرامة، وتتحقق فيه تطلعاتهم وأمنياتهم الوطنية النبيلة والعادلة.

المطران عطا الله حنا

رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس
القدس، 06 تشرين الثاني 2026


calendar_month06/11/2026 10:24   visibility 50