صبا.نت

 

أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها رقم 54/120 للعام 1999 إعلان 12 آب/أغسطس يوماً عالمياً للشباب، نظراً لكونهم شركاء أساسيين في التغيير، ولرفع مستوى الوعي وتسليط الضوء على التحديات والمشكلات التي تواجه الشباب في مختلف أنحاء العالم.


يحيي العالم اليوم العالمي للشباب 2026، الذي يأتي هذا العام تحت شعار "ظروف مختلفة ... وتطلعات مشتركة"، ليؤكد أن الشباب، على اختلاف البيئات والظروف التي يعيشون فيها، يتشاركون تطلعات واحدة تتمثل في الكرامة، والفرص، والمشاركة الفاعلة، والعمل اللائق، والتعليم الجيد، ومستقبل مستدام.

 

وفي فلسطين، يكتسب هذا الشعار بعداً خاصاً في ظل ما يعيشه الشباب الفلسطيني من ظروف استثنائية نتيجة استمرار الاحتلال الإسرائيلي وعدوانه على قطاع غزة، وتصاعد الانتهاكات في الضفة الغربية، وما ترتب على ذلك من آثار عميقة على مختلف جوانب حياتهم. ورغم هذه التحديات، يواصل الشباب الفلسطيني أداء دورهم بوصفهم قوة مجتمعية فاعلة، وركيزة أساسية للصمود والتنمية وإعادة البناء.

 
الفرص ... الشباب الثروة الديموغرافية التي تحتاج إلى الاستثمار

يمثل الشباب الفلسطيني أكبر ثروة وطنية ورأس المال البشري الأهم، وتشكل نسبتهم المرتفعة من إجمالي السكان فرصة ديموغرافية يمكن أن تسهم في تسريع عجلة التنمية إذا ما توافرت البيئة المناسبة لاستثمار طاقاتهم.

 
تشير التقديرات السكانية إلى أن عدد السكان الفلسطينيين المقيمين في دولة فلسطين بلغ حوالي 5.56 مليون نسمة نهاية العام 2025، منهم 3.43 مليون نسمة في الضفة الغربية بنسبة 61.7%، و2.13 مليون نسمة في قطاع غزة بنسبة 38.3%.

 

ويبلغ عدد الشباب الفلسطيني في الفئة العمرية (18–29 سنة) حوالي 1.2 مليون شاب وشابة، يشكلون نحو 21% من إجمالي السكان في فلسطين، بواقع 22% في الضفة الغربية، و21% في قطاع غزة. وبلغ عددهم في الضفة الغربية 731,764 شاباً وشابة، مقابل نحو 444 ألفاً في قطاع غزة في نهاية العام 2025.

 

وتشير التقديرات السكانية إلى استمرار نمو أعداد الشباب في الضفة الغربية خلال العقود المقبلة، حيث من المتوقع أن يرتفع عددهم من 731,764 شاباً وشابة العام 2025 إلى أكثر من 1,034,209 شباباً وشابات بحلول العام 2050.

 

 

 

 

 

 

    عدد السكان المقدر في الفئة العمرية (18-29 سنة) في الضفة الغربية سنوات مختارة


 

وتعكس هذه المؤشرات أهمية تبني سياسات وطنية تستثمر في الشباب باعتبارهم القوة المحركة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، من خلال توفير بيئة آمنة، وتعزيز فرص التعليم والتدريب، ودعم المبادرات الريادية، وتوسيع فرص المشاركة الاقتصادية والاجتماعية.

 

الكرامة ... الشباب الفلسطيني يدفع ثمن العدوان ويتمسك بحقه في الحياة

على الرغم من أن فئة الشباب تمثل أحد أهم مقومات التنمية الفلسطينية، فإنها كانت من أكثر الفئات تضرراً جراء العدوان الإسرائيلي المستمر منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

 

ففي قطاع غزة، استشهد أكثر من 73,386 فلسطينياً حتى تاريخ 2026/08/11، وتشير البيانات إلى أن الشباب يشكلون نحو 24% من إجمالي الشهداء، بواقع 26% من الذكور، و22% من الإناث. كما بلغ عدد الشهداء في الضفة الغربية 1,183 شهيداً، منهم 71% دون سن الثلاثين. ولم تقتصر آثار العدوان على الخسائر البشرية، بل امتدت لتشمل النزوح القسري، وفقدان المساكن، وتعطل التعليم، وانخفاض فرص العمل، وارتفاع مستويات الضغوط النفسية والاجتماعية، الأمر الذي جعل الشباب الفلسطيني يواجه تحديات غير مسبوقة تمس حقه في الحياة والكرامة والأمن.

 

وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي يعيشها الشباب الفلسطيني، فإنهم يمتلكون قدرات كبيرة على الابتكار والإبداع والصمود، الأمر الذي يجعل الاستثمار في هذه الفئة خياراً استراتيجياً لضمان تحقيق التنمية المستدامة، وتعزيز قدرة المجتمع الفلسطيني على التعافي وإعادة البناء.

 

المشاركة الفاعلة ... الشباب الفلسطيني شريك في التنمية والتحول الرقمي

تمثل المشاركة الفاعلة أحد أهم تطلعات الشباب؛ إذ لم تعد تقتصر على المشاركة المجتمعية وصنع القرار، بل أصبحت تشمل، أيضاً، الاندماج في الاقتصاد الرقمي، والاستفادة من التكنولوجيا، والوصول إلى المعرفة والابتكار.

 

وتشير نتائج مسح القوى العاملة للربع الأول من العام 2026 إلى أن 97.7% من الشباب في الفئة العمرية (18–29 سنة) في الضفة الغربية يستخدمون الإنترنت من أي مكان، حيث بلغت النسبة 97.0% بين الذكور، و98.5% بين الإناث، الأمر الذي يعكس الانتشار الواسع لاستخدام الإنترنت بين الشباب الفلسطيني.

 

 

 

كما أظهرت البيانات أن 96.8% من الشباب يمتلكون هواتف نقالة، بواقع 97.1% بين الإناث، و96.4% بين الذكور، فيما بلغت نسبة امتلاك الهواتف الذكية 96.7%، بواقع 97.1% بين الإناث، و96.4% بين الذكور.

 

وتنسجم هذه المؤشرات مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيما الهدف الخامس المتعلق بتعزيز استخدام التكنولوجيا لتمكين المرأة (5.b.1)، والهدف السابع عشر المتعلق بتعزيز استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وبناء القدرات في مجالات العلم والتكنولوجيا والابتكار (17.8.1).

 

وعلى الرغم من هذا المستوى المرتفع من الوصول إلى التكنولوجيا، فإن تحقيق المشاركة الفاعلة يتطلب تحويل الاستخدام الواسع للتكنولوجيا إلى فرص حقيقية للإبداع والابتكار وريادة الأعمال والعمل عن بُعد، بما يعزز دور الشباب في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويتيح لهم الإسهام بصورة أكبر في بناء مستقبل فلسطين.

 

العمل اللائق ... البطالة ما زالت التحدي الأكبر أمام الشباب الفلسطيني

يشكل الحصول على عمل لائق أحد أهم تطلعات الشباب الفلسطيني، إلا أن البيانات تشير إلى استمرار ارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما في قطاع غزة، الأمر الذي يحد من قدرة الشباب على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والمساهمة في التنمية.

 

فقد بلغ معدل البطالة بين الشباب المشاركين في القوى العاملة (15–29 سنة) خلال العام 2025 نحو 85.5% في قطاع غزة، مقابل 37.3% في الضفة الغربية، بما يعكس التأثير الكبير للظروف الاقتصادية والإنسانية على فرص التشغيل، وبخاصة في قطاع غزة.

 

كما سجلت الشابات أعلى معدلات البطالة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغت 46.5% في الضفة الغربية، و94.0% في قطاع غزة، مقارنة بـ 34.8% بين الذكور في الضفة الغربية، و81.3% في قطاع غزة. وتبرز هذه المؤشرات استمرار الفجوة بين الجنسين، حيث تواجه الشابات تحديات أكبر في الوصول إلى فرص العمل.

 

وعلى مستوى المؤهل العلمي، بلغ معدل البطالة بين الشباب الخريجين من التخصصات الأكاديمية 42.5%، مقابل 29.8% بين خريجي التدريب المهني، وهو ما يشير إلى أن خريجي التعليم والتدريب المهني يتمتعون بفرص أفضل نسبياً للاندماج في سوق العمل.

 

كما سجلت الإناث أعلى معدلات البطالة بين خريجي التخصصات الأكاديمية، حيث بلغت 52.7% مقارنة بـ 30.2% بين الذكور، فيما بلغت نسبة البطالة بين خريجات التدريب المهني 35.0%، مقابل 28.9% بين الذكور.

 

وتؤكد هذه النتائج الحاجة إلى إعادة مواءمة مخرجات التعليم مع احتياجات سوق العمل، وتعزيز التعليم والتدريب المهني والتقني، وإرشاد الطلبة نحو التخصصات المطلوبة، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية أكثر فاعلية لخلق فرص عمل مستدامة، ودعم المشاريع الريادية، وتمكين الشابات اقتصادياً، بما يسهم في استثمار رأس المال البشري الفلسطيني، والحد من الفجوة بين الجنسين.

 

 

 

التعليم الجيد ... الاستثمار في الشباب رغم التحديات

يشكل التعليم إحدى أهم ركائز التنمية في المجتمع الفلسطيني؛ إذ ظل على الدوام الاستثمار الأكثر استدامة في بناء الإنسان وتعزيز قدراته. وتشير بيانات العام 2025 إلى أنه من بين كل 100 شاب وشابة في الفئة العمرية (18–29 سنة) في الضفة الغربية، هناك 19 شاباً وشابة حاصلون على درجة البكالوريوس فأعلى، مع استمرار تفوق الشابات في التحصيل العلمي، حيث بلغت النسبة 25 شابة من كل 100 شابة، مقارنة بـ 14 شاباً من كل 100 شاب من الذكور.

 

إلا أن العدوان الإسرائيلي ألقى بظلاله الثقيلة على قطاع التعليم، حيث استشهد، منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023 وحتى السابع من تموز/يوليو 2026 من الطلبة الملتحقين في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين، 1,422 طالباً وطالبة، بواقع 1,383 طالباً وطالبة في قطاع غزة، و39 طالباً وطالبة في الضفة الغربية. فيما بلغ عدد الجرحى من الطلبة الملتحقين في مؤسسات التعليم العالي في فلسطين 3,350 جريحاً وجريحة بواقع 3,067 جريحاً وجريحة في قطاع غزة، و283 جريحاً وجريحة في الضفة الغربية. كما تم اعتقال ما يزيد على 492 طالباً وطالبة ملتحقين في جامعات الضفة الغربية.

 

وتؤكد هذه المعطيات أن حماية الحق في التعليم، والحفاظ على المؤسسات التعليمية، تمثل أولويات أساسية لضمان عدم ضياع جيل كامل من الشباب الفلسطيني، والحفاظ على رأس المال البشري الذي يمثل أساس التنمية الوطنية.

 

مستقبل مستدام ... تمكين الشباب أساس التنمية وإعادة البناء

لا يقتصر تحقيق مستقبل مستدام على توفير فرص التعليم والعمل فحسب، بل يتطلب، أيضاً، ضمان استمرار اندماج الشباب في التعليم والتدريب المهني وسوق العمل.

 

وتشير البيانات إلى انخفاض نسبة الشباب (15–29 سنة) غير الملتحقين بالعمل أو التعليم أو التدريب (NEET) في الضفة الغربية من 39.4% العام 2024 إلى 37.1% العام 2025.

 

وعلى الرغم من هذا التحسن، لا تزال الشابات أكثر عرضة للبقاء خارج العمل أو التعليم أو التدريب، حيث بلغت النسبة 44.6% مقارنة بـ 29.9% بين الذكور. كما انخفضت النسبة بين الذكور من 32.6% إلى 29.9%، وبين الإناث من 46.5% إلى 44.6% خلال الفترة نفسها.

 

وتشير هذه النتائج إلى أن أكثر من ثلث الشباب في الضفة الغربية ما زالوا خارج العمل أو التعليم أو التدريب، الأمر الذي يستدعي توسيع برامج التدريب المهني والتقني، وتعزيز المهارات الرقمية، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتوفير بيئة داعمة للابتكار وريادة الأعمال، بما يمكّن الشباب من الإسهام بفاعلية في التنمية وإعادة بناء الاقتصاد الفلسطيني.

 

الشباب الفلسطيني ... تطلعات مشتركة رغم اختلاف الظروف

يمثل الشباب الفلسطيني رأس المال البشري الأهم، فهم يشكلون أكثر من خمس المجتمع، ويتمتعون بمستويات تعليمية جيدة، وقدرات كبيرة على الصمود والابتكار والإبداع، إلا أن استمرار العدوان، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الفرص الاقتصادية، واستهداف قطاع التعليم، تشكل جميعها تحديات حقيقية أمام تحقيق تطلعاتهم.

 

وعلى الرغم من اختلاف السياق الفلسطيني عن كثير من دول العالم، فإن تطلعات الشباب الفلسطيني تظل متوافقة مع تطلعات شباب العالم، والمتمثلة في العيش بكرامة، والحصول على فرص متكافئة، والمشاركة الفاعلة في المجتمع، والوصول إلى عمل لائق، وتعليم جيد، ومستقبل أكثر استدامة.

 

وبمناسبة اليوم العالمي للشباب، يؤكد الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني أن الاستثمار في الشباب، وحماية حقوقهم، وتعزيز صمودهم، وتمكينهم اقتصادياً واجتماعياً، يمثل استثماراً في مستقبل فلسطين، ويعد شرطاً أساسياً لتحقيق التنمية المستدامة، وبناء مجتمع أكثر قدرة على التعافي والازدهار.

 




calendar_month12/08/2026 09:45   visibility 27