صبا نت


إن ما نشهده الآن يشكل بجزء منه ما يرتبط بالتحولات الجارية في محاولات ابتعاد العالم عن النظام الدولي احادي القطب .
لقد أصبحت أسس معالم هذا النظام متعدد الأقطاب واضحة على نحو متزايد اليوم ، مع وجود لاعبين رئيسيين بما في ذلك روسيا، الصين، العالم العربي والإسلامي ومنه ايران ، الهند، مناطق من أفريقيا وأميركا اللاتينية. وتمثل هذه الكيانات حضارات قديمة متميزة، والعديد من دولها متواجد ضمن عضوية مجموعة البريكس بعد أن توسعت هذه المجموعة لتشمل دولًا مهمة من العالم العربي والإسلامي .

ويؤكد هذا التوسع على النفوذ المتنامي للولوج الى النظام العالمي متعدد الأقطاب، في حين يشير ايضا إلى ضعف الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة التي تسعى بكل قواها مع الغرب من اجل الحفاظ على الهيمنة الأحادية القطب وفي البقاء بطليعة القيادة العالمية ، لذلك فهي عازمة على الحفاظ على هيمنتها في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية والإيديولوجية. 

إن هذا السعي المستمر نحو محاولات الابقاء على الأحادية القطبية يشكل التناقض المركزي في عصرنا الذي يتسم بالصراع المتزايد بين الأحادية القطبية والتعددية القطبية الامر الذي بات ينعكس في مضمون صراعات وحروب جارية او في بؤر نزاعات . 

ان اصرار الولايات المتحدة أن الشرق الأوسط هو منطقة نفوذ حصري لها ، امر قد بدأ بالانتهاء ، فقد فقدت المصداقية ، والنفوذ الروسي والصيني اَخد بالتموضع الثابت دون ضجيج بمنطقتنا لاعتبارات عديدة وباشكال متنوعة ، وذلك في اوقات صعبة تمر بها اوروبا اقتصاديا نتيجة تبعيتها للمواقف الأمريكية حول أوكرانيا وروسيا والصين وحتى حول ما يجري بافريقيا .  

وفي هذا السياق فمن الضروري دراسة الصراعات والتطورات الرئيسية في السياسة العالمية ، وأبرزها الجهود الرامية إلى تقويض دور روسيا والصين ، في حين هم يعيدون تأكيد سيادتهم ووجودهم كقطببن متعاونين . ويساعد هذا الفهم في توضيح الصراع المستمر في أوكرانيا ومناطق اخرى من العالم كما والعدوان الوحشي وحرب الابادة الجماعية ومشروع الترحيل القسري بحق شعبنا الفلسطيني وتصعيد الجرائم، كما وامتدادات وتداعيات ذلك على المنطقة باسرها ، خاصة مع ما تخطط له الولايات المتحدة تجاه لبنان والعراق وسوريا من خلال هذا التحشيد العسكري في البحرين المتوسط والأحمر ووجود حشودات عسكرية إسرائيلية في الجبهة الشمالية في اشتباكات مع قوى المقاومة التي تصعد مواجهتها هنالك الآن . واصرارها اي الولايات المتحدة على أن تحقق إسرائيل "نصرا" لما يشكله ذلك من أهمية لأستمرار هيمنتها دون ان تسمح بوقف للنار الا بموافقتها ، مع مجازفتها لجر المنطقة باكملها إلى حرب اقليمية والتي قد تتسع لأكثر من ذلك في انتهاك لمبادئ السلم والأمن الدوليين التي درجت عليه في تاريخ توحشها ضد شعوب العالم . 

إن دعم العالم الغربي لكل من النظام في أوكرانيا الذي يسعى لان يكون جزء من الغرب الثقافي والناتو ، كما ودولة الأحتلال الاسرائيلي مدفوع باجزاء منه بالصراع بين القيم الحضارية والثقافية للشرق الذي نشكل نحن الفلسطينين بحضارتتا جزء منه ، والغرب الذي تشكل اسرائيل جزء منه لاعتبارات عدة تريدها هي ويريدها الغرب لها لتبقى هي رأس حربة ذلك المشروع الأستيطاني لهم بمنطقتنا وفق اسباب نشأتها واستمرارها ، وكخط دفاع اولي عن الغرب ، كما وبالرغبة في منع روسيا من الظهور مرة أخرى كلاعب عالمي مستقل الى جانب الدور الصيني والتكتلات الاقتصادية السياسية الناشئة بالعالم بتوافقهما نتيحة إدراك روسيا بأنها لا تستطيع أن تكون لوحدها أحد قطبين بالعالم فقط .
 
ولذلك، فقد دعم الغرب بقوة انقلاب عام 2014 في كييف ، وقدم مساعدات عسكرية واسعة النطاق لأوكرانيا، وعزز نشر أيديولوجية النازيين الجدد داخل البلاد، واستفز روسيا ودفعها إلى بدء عملية عسكرية غير عادية. 

وتشير وقائع العدوان إلاسرائيلي على غزة إلى شيئ مشابه ، حيث ترتبط مسيرة الجرائم بقطاع غزة كما بالقدس والضفة الغربية والمدن والقرى الفلسطينية داخل إسرائيل نفسها ، بهذه القضية من الصراع . حيث ساهمت الولايات المتحدة بكافة أشكال الدعم العسكري والاقتصادي والسياسي والدبلوماسي في حمايتها من اجل استدامة الأحتلال الاستيطاني وتفوقه العسكري بالمنطقة وممارسة اشكال الابرتهايد ، كما وبالمساهمة في صعود اليمين الفاشي الصهيوني الديني باسرائيل من جهة واضعاف دور منظمة التحرير ومنع إقامة الدولة الفلسطينية من خلال الاستيطان والحديث المنافق عن حل الدولتين دون ايضاح شكل الحل وحدوده من جهة اخرى من خلال ادارة الأزمة فقط لصالح تلك الأهداف من جانب الادارات الامريكية .   

 بعد ٧٥ عاما من القهر المستمر ووجود ابناء شعبنا من غزة العزة بسجن مفتوح ، لم يكن من الممكن القبول باستدامة ذلك واستمرار تصعيد البطش ضد اَسرانا وتهويد القدس وتوسيع الاستيطان ، كما ورغبة الغرب في تهميش قضية شعبنا فكانت الارادة يوم ٧ أكتوبر الماضي للتعبير عن روح الانعتاق من القهر .

حيث شنت إسرائيل فورا هجوما دون ان تكون بحاجة إلى مبرر ، لم نشهد له مثيل من اضرار بالارواح بالحرب العالمية الثانية من حيث النسبة والتناسب للجغرافيا والديموغرافيا على قطاع غزة ، كما واتساع اعمال القتل بالضفة الغربية التي وصلت إلى إعدام ١٤ شهيد في يوم واحد أمس. 

لقد كان ذلك تعبيرا جديدا بأن إسرائيل كما هي دائما بفضل حصانتها من الغرب ووكيلاً له بالمنطقة تتصرف خارج إطار الأساليب الدولية والقانونية والإنسانية المقبولة لحل الصراعات السياسية ، كما عكست ما ترغب به الحكومة الفاشية الحالية من هروب إلى الأمام على حساب دماء ابناء شعبنا .

فإسرائيل، مثلها في ذلك مثل النظام الانقلابي بأوكرانيا، لا تعدو أن تكون مجرد أداة للهيمنة الغربية المتعجرفة والقاسية ، فهي لا تخجل من الأعمال الإجرامية أو الخطابات الفاشية والأفعال العنصرية التي باتت حكومة إسرائيل بل والمعارضة فيها تتسم بها الآن. 

ومع ذلك ، فإن جذر المشكلة لا يكمن في إسرائيل نفسها، بل في دورها كأداة جيوسياسية في إطار عالم أحادي القطب وفق استمرار استخدامها للسياسات الاستعمارية التي تقوم على اساليب التطهير العرقي والابادة والترحيل ونفي الاَخر ، ومحاولات تمرير مصالح السياسة الخارجية للولايات المتحدة وبشكل خاص نموذج الشرق الأوسط الجديد في ظل ما تقدمه امريكيا من سراب لنا ولكافة العرب . 

لقد أدى ذلك اليوم في ٧ اكتوبر والذي لن يكون ما بعده كما قبله ، إلى بدء مواجهة أوسع بين الغرب والعالم العربي والإسلامي وشعوب العالم ، وتنبع هذه المواجهة من ما يُنظر إليه على أنه دعم غير مشروط وأحادي الجانب لإسرائيل على الرغم من الطبيعة الواضحة للجرائم المرتكبة ضد ابناء شعبنا المدنيين في غزة وما يجري بالضفة الآن من تصعيد خطير وفق رؤية الحسم المبكر الصهيونية ذات البعد التوراتي المزعوم ، الأمر الذي انعكس بالخلافات العربية مع بلينكن ورفض العديد من طروحاته . 

وأصبحت وحدة العالم العربي والإسلامي النسبية والممكنة لا يمكن تجاهلها ، حيث تعمل القضية الفلسطينية كقوة موحدة تجمع الجميع من تلك الدول برغم من خلافاتها في قضايا اخرى .
 حيث شعبنا الفلسطيني في غزة والقدس والضفة الغربية ومناطق فلسطين التاريخية ينضمون إلى جهد جماعي اليوم موحدين لحماية وجودهم وكرامتهم والدفاع المشروع عن أنفسهم بكافة أشكال المقاومة .  

وبالرغم من انه وخلال العقود الأخيرة ، نجحت الولايات المتحدة في منع العرب والمسلمين من التوحد حول القضية الفلسطينية وتشجيعهم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل. لكن مثل هذه المحاولات لم تعد ناجحة، وقد أثبتت كل هذه الجهود عدم جدواها في الأسابيع الأخيرة مع استمرار الدعم المطلق لإسرائيل . إن المذبحة والابادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل ترغم العالم العربي والإسلامي على تنحية خلافاتهم الداخلية جانباً والتفكير في المواجهة المباشرة مع الغرب ، وخاصة بما له علاقة بجوهر القرارات المنتظرة للقمة اليوم السبت .

ومن أجل التصدي بفعالية لأولئك الذين يسعون جاهدين للحفاظ على العالم الأحادي القطب والهيمنة الغربية، فمن الأهمية بمكان أن نفهم جوهر استراتيجيتهم. وبالتسلح بهذا الفهم، يمكننا أن نبني بوعي نموذجا بديلا لمواجهة هذه الأجندة، والمضي قدما بثقة نحو انهاء العدوان الهمجي وانتصار شعبنا الفلسطيني من خلال وحدة كل مكوناته واساليب كفاحه بما فيها حماس والجهاد باعتبارهم جزء من الحالة الفلسطينية بالوطن والشتات وتعبيرا عن فكرة ومنهج بمجتمعنا الفلسطيني كما هي فتح والقوى الأخرى. 

ان لمنظمة التحرير دور مركزي يجب ان يتعزز بتعزيز الحياة الديمقراطية فيها وتوسيع قاعدتها الشعبية كبيت يمثل استحقاق مرحلة التحرر الوطني ، انطلاقا من مسؤوليتها التمثيلية لمصالح الشعب الفلسطيني وصاحبة الولاية السياسيه والقانونية والادارية على كامل التراب الفلسطيني التي اعترف العالم بها ، والتي تمثل غزة جزء اصيل منه بالاستناد لحالة وفاق وطني ووحدة التي يجب ان تنشأ فورا حتى ما قبل وقف الحرب العدوانية على غزة ، من اجل وقفها . دون القبول بان يكون هنالك دور انفرادي لأحد على انقاض أحد لأن مسؤوليتنا توفير الحمايه لكافة ابناء شعبنا والدفاع عن حقه الاصيل في النضال ضد العدوان والأحتلال والاستيطان والتمييز العنصري وصولا لعودة اللاجئين وفق القرار ١٩٤ وانهاء الأحتلال الأستيطاني نحو إقامة دولتنا المستقلة ذات السيادة والمتواصلة حغرافيا وعاصمتها القدس ، وهو مرتكز البرنامج السياسي الذي لا يعترض عليه أحدا اليوم .

وبعد ذلك أو بتوازي مع ذلك هنالك ضرورة للعمل السياسي الدبلوماسي لتحالفات مع الدول الصديقة وشعوبها نحو الحفاظ على عودة الصدارة للمشهد والقضية الفلسطينية امام الرأي العام العالمي ، واستثمار المظاهرات التضامنية والمنددة بالأحتلال واجراءاته ومشاريعه ، تلك المظاهرات الحاشدة والفعاليات التي اصبحت يومية في كل مدن العالم حتى بالولايات المتحدة وبريطانيا من اجل الضغط على حكومات الغرب بالابتعاد عن تبرير جرائم الاحتلال والتوقف عن النفاق والانحياز السياسي .

اننا نحتاج اليوم إلى اكثر من المظاهرات في شوارع العالم التي باتت تؤثر على المواقف الأوروبية الرسمية وتراجعها النسبي ، لكن غير الكافي . فلسطين تحتاج الآن إلى وقف جريمة الحرب الجارية في غزة فورا ، دون ابتداع مسميات جديدة من الهدن الانسانية او غيرها . فلسطين تحتاج إلى حلول سياسية تفضي إلى انهاء الاحتلال والوصول الى الحرية والاستقلال الوطني. 
ومن ثم العمل مع أصدقاء شعبنا على الاسراع بالوصول الى عالم متعدد الأقطاب يكون اكثر عدالة للشعوب وحرياتها وحقوقها بتقرير المصير ، ويرى في قضية شعبنا الحق والعدالة والبعد الإنساني.


calendar_month11/11/2023 21:16   visibility 480