جنين-صبا.نت


"كواكب لا تغيب" 

خصصت وزارة الإعلام الحلقة (43) من سلسلة "كواكب لا تغيب" لحكاية حنان واصف الشريف، وتتبعت أحزانها المزدوجة، فهي التي خسرت أبنها البكر فؤاد العرّابي، أول شهيد لانتفاضة العام 1987 في جنين، فيما جدّد استشهاد ولدها الثاني رشاد في الانتفاضة الثانية أوجاعها، وأبقى على دموعها غزيرة.
بكاء ورصاصة

واستردت أم فؤاد تفاصيل 22 كانون الأول 1987، حينما طلب ابنها الكوفية من أخته ربى، ليخرج إلى منطقة السكة، حيث اعتاد أطفال جنين وشبابها رشق جنود الاحتلال بالحجارة، وتقول: شيء ما أسر لي إن فؤاد الذي أصيب قبل أيام برصاصة مطاطية في رأسه، ورفض إعطاء اسمه لطبيبه المعالج د.خليل سليمان (استشهد خلال انتقاضة الأقصى)، لن يعود هذا اليوم، فمع أول رصاصة سمعتها بحوالي الحادية عشرة قبل الظهر، قلت لأخواته، إن فؤاد راح من بين أيدينا، وطلبت منهن إزالة الطاولة من مدخل الصالة، وعلينا أن نستعد للبكاء. ردت شقيقات فؤاد ووالده على الأم بأن الابن البكر والأخ الكبير سيعود إلى البيت بعد انسحاب جنود الاحتلال.
وقالت الشريف: بعد دقائق من حديثي مع بناتي ودعوتي لهن لتهيئة البيت لحدث كبير ومؤلم، ثم شعرت بشيء بارد يهبط على جسدي، فمر رفيقه مفيد الغزاوي( استشهد لاحقاً)، فأخبرني بأن فؤاد أصيب إصابة طفيفة، لكنني أجابته بأن قلبي يقول إنه استشهد.
تترشح عيون أم فؤاد للبكاء غير مرة، ولا تستطيع إخفاء حزمها، حين تتذكر مشهد وداعه، فبعد اختطافه من قبل جنود الاحتلال لثلاثة أيام، جاءت قوات كبيرة إلى المنزل، وقالت إن عشرة فقط من أقاربه سيسمح لهم بدفن ابنهم، وعندما وصلت إلى المقبرة وشاهدت ابنها في نعشه، أمسكت بأحد الجنود، وصرخت في وجهه، وقالت له بدموع تغرق عينيها:" ليش تقتل ابني، ليش..؟" فرد عليها أنه لم يطلق النار، ولم يكن في جنين، فأمسكت به ثانية!
تجارة وأفاعٍ

تكمل بحسرة: كان أبني شديد الذكاء، ولا يستطيع أحد أن يضحك عليه، وبالرغم من صغر سنة،( 17 سنة يوم استشهاده)، إلا أنه فتح دكانه بمدخل سينما والده، وكان يرفض أن يُعطي لأقاربه بضائعه بالمجان، ويستعين بشقيقه رشاد (استشهد عام 2003) للمشاركة في المواجهات، ثم العودة دون علمنا. ولا أنسى الطريقة التي كان يجمع فيها النحل والأفاعي وينزع أنيابها، ويحتفظ بها في جيبه، ويخيف بها الكبار، مثلما ربى الدجاج والأرانب في المنزل، واحتفظ بتفوقه الدراسي، لكنه رحل قبل إكمال حلمة بأن يصبح معلمًا، ولن تغيب عني طلباته بطبخ الملوخية والفاصولياء، وتعلقه بعماته: باسمة، وسهام، وجنان، وحنان، وهبة.
أصرت عائلة العرابي على إطلاق اسم فؤاد على شقيقه الذي ولد في ذكرى استشهاده (22 كانون أول 1990)، وأعاد للعائلة توازنها العددي مؤقتاً، إلى جانب شهيدها رشاد، ومحمد وأخواته الأربع.
رشاد ونخلة

تقفل أم فؤاد أحزانها على شهيدها الأول، وتتفقد قميصه الذي رحل وهو يرتديه، وألبسته لأخيه فؤاد الثاني، لكنها سرعان ما تفتح ألمها من جديد، على رشاد الذي استشهد قريباً من المنزل، يوم قرر العودة من رام الله وقطع أعماله في تجارة الأخشاب، وقبلها أجهزة السلطة الأمنية، ليرتقي في مواجهة مع دبابة إسرائيلية، أصابته أول في ساقيه، وأطلقت عليه قذيفة، في مشهد تكرر عرضه على"اليوتيوب".
تتابع الشريف التي ولدت في نابلس عام 1959: شاهدت قبل نبأ رشاد حلماً مزعجاً، وفيه ثلاث حفر، نزلت عمته في واحدة منهما، وفي الصباح قلت لنفسي الله يستر من هذا اليوم، ومع أول رصاصة سمعتها بكيت، لأنني تذكرت فؤاد، والرصاصة ذاتها التي قتلته.
غاب رشاد، وظلت صور مرحه، وشغفة بالدراجات النارية، وإلحاحه السفر إلى خارج الوطن، فيما ظل مشهد الأم التي تبحث عن ابنها الشهيد من مستشفى إلى آخر، لا يغادرها، فبخلاف معظم الشهداء الذين كانوا ينقلون إلى مستشفى الرازي المجازر لمنزل العائلة، كانت وجه رشاد الأخيرة إلى المستشفى الحكومي.

تقاطعها الدموع، ويأتي صوتها متعبا: رفضت خطيبته رنا الزواج من بعده، ونرفض نحن نسيان الأيام العشرة الأوائل من ذي الحجة، التي استشهد فيها عماد ورشاد وغابت عنا عمته جنان، ونخشى غدرها من جديد.
تنهي: لا استطيع زيارة قبري فؤاد ورشاد، فقد أغمي علي حين ذهبت لضريح فؤاد، وتنقل لي بناتي قصة شجرة النخل الأولى التي غرسها رشاد على شقيقة الشهيد، والنخلة الثانية التي تظل قبر رشاد.
سير إنسانية

بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في طوباس والأغوار الشمالية عبد الباسط خلف إلى أن "كواكب لا تغيب" أعادت كتابة قصص 50 من شهداء الحرية بقالب إنساني، من مدينة طوباس، وبلدات: عقابا، وطمون، وتياسير، ومخيم الفارعة.
وأضاف: قدمت الحلقات أيضًا سيرة منتهى حوراني أول شهيدة في جنين بعد النكسة، ولخصت حكاية الشهيدين يوسف عرعراوي، وأحمد الكيلاني اللذين ارتقيا بداية انتفاضة الحجارة في مخيم جنين وبلدة يعبد